: آخر تحديث

تجربتي مع «المتحدث»

3
1
2

أقر مجلس الوزراء الموقر قبل سنوات عديدة عددا من الإجراءات التنظيمية لضبط إيقاع التواصل بين الأجهزة الحكومية والرأي العام، من بينها إلزام الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة بتعيين متحدثين رسميين في مقراتها وفروعها، وكان الهدف الجوهري من هذا القرار هو خلق جسور شفافة لإحاطة وسائل الإعلام بالأخبار والبيانات، والتجاوب مع تساؤلات الصحفيين والإعلاميين، ولكن وبعد مضي هذه السنوات، هل تحققت الغاية المنشودة؟

في الواقع، مازالت تجربة "المتحدث الرسمي" في كثير من الجهات الحكومية -في تقديري- غير مقنعة بالقدر الكافي؛ إذ يغلب على التعامل مع الإعلاميين طابع الحساسية المفرطة والحذر الشديد، وكأننا في معركة استنزاف للجهد والوقت والأفكار، وليس في شراكة وطنية لخدمة الشأن العام، والمصلحة الوطنية.

هنا سأتحدث عن المفارقات الطريفة التي واجهتني ذات يوم وخلال فترات متفاوتة، عندما تواصلت مع أحد المتحدثين للاستفسار عن قضية خدمية، أن سؤاله الأول لم يكن حول تفاصيل الموضوع، بل بادرني قائلاً: "ما مصلحتك في إثارة هذه القضية؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟"، وكأن الصحافة أصبحت ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من كونها مرآة للشفافية والتطوير.

موقف وتجربة أخرى "ترفع الضغط" تحدث عندما نرسل استفسارات صحفية مهمة، فتمضي الأيام والأسابيع دون مجيب، ثم نفاجأ لاحقاً أن الجهة أصدرت بياناً صحفياً تجيب فيه عن تلك الأسئلة، متجاهلةً تماماً الجهد الذي بذله الصحفي في إثارة القضية، وبطريقة تفتقر لأبسط قواعد المهنية واحترام زملاء المهنة.

ومن التجارب المؤلمة التي تؤدي إلى موت القضايا، التأخر الكبير في الرد، حيث تصبح القضية بعد فوات الأوان مجرد خبر مكرر يفقد أهميته وتأثيره، أما المشهد "المضحك / المبكي"، فهو تلقي إجابات لا تمت للموضوع المرسل بصلة؛ فالمتحدث يتجاهل صلب الموضوع ويرد على تفاصيل جانبية، وهو أمر يضعنا في حيرة: هل هو تجاهل متعمد، أم غياب تام لاستيعاب طبيعة العمل الصحفي؟.

ولأننا نهدف إلى الموضوعية والإنصاف، فلا بد من الإشادة بالتجارب المضيئة؛ إذ قدمت "وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية" عبر متحدثها الرسمي نموذجاً إدارياً رائعاً مؤخراً عبر إنشاء "منصة الاستفسارات الإعلامية"، تتضمن استقبال استفسارات الصحفيين والإعلاميين والرد عليها بشفافية وفي وقت قياسي، وهي تجربة تستحق التقدير والتعميم، فتلك تجربة رائدة حرص عليها المتحدث الرسمي لوزارة الموارد البشرية، تدل على وعي كامل بأهمية التواصل، ولغة راقية في التعامل.

في المقابل، لا تزال هناك وزارات وهيئات لم تعين متحدثين رسميين حتى الآن. والمفارقة الأكبر تكمن في كثرة تغيير المتحدثين في الجهة الواحدة؛ فما إن يتم تكليف متحدث جديد ويحاول فهم دولاب العمل والتأقلم مع تفاصيل القطاع، حتى يتم تغييره، لنعود إلى المربع الأول من جديد.

إن تفعيل قنوات التواصل الحقيقية وبناء الثقة يتطلبان استقراراً إدارياً ورؤية إعلامية واضحة تدرك أن الصحافة ليست خصما، بل شريكا أساسيا في مسيرة التنمية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد