أن تصبح المملكة أكبر اقتصاد سياحي في الشرق الأوسط ليس نهاية السباق؛ إنه خط البداية لمرحلة أكثر حساسية.. فحين تكبر الأرقام تكبر التوقعات، وحين تتحول السياحة إلى أحد أعمدة الاقتصاد يصبح المطلوب أن تكون التجربة السعودية على قدر الطموح السعودي؛ أصيلة لا مصطنعة، عالمية لا مستنسخة، ومفتوحة على المستقبل من دون أن تفقد جذورها..
لم تعد السياحة في السعودية قصة علاقات عامة، ولا عنواناً موسمياً في روزنامة الفعاليات. ما أعلنه المجلس العالمي للسفر والسياحة أن المملكة أصبحت أكبر اقتصاد للسفر والسياحة في الشرق الأوسط هو في جوهره شهادة على انتقالٍ اقتصادي عميق: من بلدٍ كان يُعرَف للعالم غالباً من بوابة الطاقة والحج، إلى دولة تصوغ لنفسها موقعاً جديداً في صناعة عالمية شديدة التنافس، عنوانها التجربة، والاتصال، والإنفاق، والوظائف.
الأرقام هنا لا تجامل.. فوفقاً للمجلس العالمي للسفر والسياحة، بلغ إسهام قطاع السفر والسياحة في اقتصاد الشرق الأوسط 385.8 مليار دولار في 2025، ودعم 7.1 ملايين وظيفة. لكن الرقم الأهم سعودياً أن المملكة استحوذت وحدها على 178 مليار دولار من الناتج السياحي، أي 46 % من إجمالي اقتصاد السفر والسياحة في المنطقة، لتكون أكبر اقتصاد سياحي في الشرق الأوسط. كما نما الناتج السياحي السعودي 7.4 % في 2025، مقارنة بـ4.1 % عالمياً و5.3 % إقليمياً.
هذه ليست طفرة عابرة، بل نتيجة تصميم سياسي واقتصادي بدأ منذ إطلاق رؤية 2030. فالتحول السياحي السعودي لم يُبنَ على منشور دعائي، بل على إعادة هندسة كاملة لسلاسل القيمة: تأشيرات أكثر انفتاحاً، مطارات تتوسع، وجهات جديدة في البحر الأحمر والعلا والدرعية، مواسم ترفيهية ورياضية وثقافية، واستثمار في الضيافة والنقل والخدمات. ومن المهم هنا أن ندرك أن السياحة ليست قطاعاً منعزلاً؛ إنها سوق مضاعِفة. كل زائر يحرّك الفندق والمطعم والطيران والتجزئة والنقل والعمل الثقافي، وكل فعالية كبرى تصنع أثراً يتجاوز أيام انعقادها.
في 2024 وحده، تجاوزت المملكة حاجز 100 مليون سائح للعام الثاني على التوالي، وبلغ إجمالي السياح المحليين والوافدين نحو 116 مليوناً، بزيادة 6 % عن 2023. وسجل الإنفاق السياحي الإجمالي 283.8 مليار ريال، منها 168.5 مليار ريال أنفقها السياح الوافدون، بارتفاع 19 % على أساس سنوي. كما وصل عدد السياح الدوليين إلى نحو 30 مليوناً، بزيادة 8 %.
الأكثر دلالة أن الإنفاق الوافد لم يعد هامشياً في ميزان الاقتصاد الوطني.. تشير منصة «داتا سعودي» إلى أن إنفاق السياحة الوافدة شكّل 3.7 % من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، وأن المساهمة المباشرة للسياحة في الناتج بلغت 4.9 %، فيما وصلت حصة التوظيف السياحي المباشر إلى 5.5 % من إجمالي التوظيف المحلي. هذه الأرقام تعني أن السياحة باتت تتحول من نشاط استهلاكي إلى رافعة إنتاجية، ومن «قطاع جميل» إلى قطاع استراتيجي في معادلة التنويع.
لكن سر التفوق السعودي لا يكمن في الحجم وحده.. فالمملكة تملك ما لا تملكه كثير من الوجهات المنافسة: مزيجاً نادراً بين السياحة الدينية، والتراثية، والطبيعية، والحضرية، وسياحة الأعمال. مكة والمدينة تمنحان السعودية قاعدة طلب روحي لا مثيل لها؛ العلا والدرعية تمنحانها سردية تاريخية؛ البحر الأحمر يمنحها وعداً بيئياً وساحلياً؛ والرياض تتحول بسرعة إلى عاصمة مؤتمرات واستثمار وأحداث دولية. وقد أشار المجلس العالمي للسفر والسياحة إلى أن إنفاق سفر الأعمال في السعودية ارتفع بأكثر من 55 % في 2025، وهو رقم يكشف أن المملكة لا تجتذب الزائر الباحث عن الترفيه فحسب، بل المستثمر والمدير وصانع القرار أيضاً.
ومع ذلك، فإن المقال الجاد لا يكتفي بالاحتفاء. التحدي المقبل أصعب من الإنجاز الأول. فالسياحة العالمية لا تكافئ من يفتح الأبواب فقط، بل من يحافظ على جودة التجربة بعد فتحها. التفوق الحقيقي سيُقاس بمتوسط الإنفاق، وتكرار الزيارة، ورضا السائح، وكفاءة النقل، وتنافسية الأسعار، وتدريب الكوادر، وحماية المواقع الطبيعية والتراثية من الاستهلاك المفرط. كما أن التحول من السياحة الفاخرة وحدها إلى شرائح أوسع من المسافرين سيكون ضرورياً إذا أرادت المملكة بلوغ هدفها المعلن باستقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030، بينهم 50 مليوناً من الخارج، كما أشار وزير السياحة في تصريحات نقلتها رويترز.
هنا بالضبط تكمن المسألة: السعودية لا تنافس دبي، ولا القاهرة، ولا إسطنبول، ولا الدوحة.. إنها تنافس فكرة قديمة عن نفسها.. وكل رقم جديد في السياحة يفتح نافذة على صورة مختلفة: بلد شاب، واسع، متنوع، قادر على استقبال العالم لا بصفته محطة عبور، بل وجهة بحد ذاتها.
أن تصبح المملكة أكبر اقتصاد سياحي في الشرق الأوسط ليس نهاية السباق؛ إنه خط البداية لمرحلة أكثر حساسية.. فحين تكبر الأرقام، تكبر التوقعات، وحين تتحول السياحة إلى أحد أعمدة الاقتصاد، يصبح المطلوب أن تكون التجربة السعودية على قدر الطموح السعودي: أصيلة لا مصطنعة، عالمية لا مستنسخة، ومفتوحة على المستقبل من دون أن تفقد جذورها.
لقد استطاعت المملكة أن تنال هذا الموقع لأنها تعاملت مع السياحة باعتبارها صناعة وطنية كبرى، لا ترفاً جانبياً. وإذا حافظت على هذا الإيقاع، فإن السؤال بعد سنوات لن يكون: كيف أصبحت السعودية أكبر اقتصاد سياحي في الشرق الأوسط؟ بل: كيف غيّرت السعودية خريطة السياحة العالمية؟.

