: آخر تحديث

من صيد الخاطر: شعوب تفتخر بما لم تصنع

3
3
3

تاريخ البشرية غني بحضارات بلغت أوج عظمتها، وأثّرت في مجريات التاريخ الذي نعيش حاضره اليوم، ثم اندثرت لأسباب تنوعت بين الكوارث، والحروب، والانهيار الداخلي، بينما اختفى بعضها الآخر لأسباب لا تزال مجهولة.

تلك الحضارات الغابرة تنوعت أعراقها وأماكنها، ولما أفل نجمها تغيرت لغات وأعراق أغلب من حل محلها، بل وتغيرت حتى مسميات الأرض التي شهدت مجدها. اندثرت لتحل محلها أمم لا علاقة لها بمن سبقها، رغم أن بصماتها العلمية والإنسانية لا تزال حية. من تلك الحضارات: بلاد الرافدين، والفرعونية، ووادي السند، وفارس، والمايا، والإغريقية، والرومانية، وصولاً إلى الحضارات العربية القديمة كـ «الأنباط» و«سبأ»، وحضارات لا تزال مدفونة كـ «عاد وثمود» تنتظر من يكشف عن أسرارها، وصولاً إلى الحضارة العربية الإسلامية في عصريها الأموي والعباسي.

ورغم غياب تلك الحضارات إلا أن كل واحدة منها تركت بصمة جعلتها فريدة في سجل التاريخ، والملاحظ هنا أنه، وعلى العكس من معظم الحضارات التي تلاشت أو هُمّشت شعوبها، فقد بقيت اللغة العربية حية وسائدة، وظل العالم ينهل من علوم حضارتها التي انتقلت لأوروبا وكانت وقود نهضتها، وظل الإسلام الرابط القوي الذي حافظ على تماسك المجتمعات رغم تغير الحكام.

ولعل ما يدعو إلى الاستهجان هو وجود شعوب تعشعش في عقولها أوهام العظمة لمجرد انتسابها لأرض سكنتها حضارات بادت قبلها بآلاف السنين، ورغم أنها لا تمتّ لها بأي صلة عرقية أو لغوية، فهم يتفاخرون بأمجاد ليس لهم فيها «ناقة ولا جمل»، وكأن التباهي بالماضي السحيق هو الملاذ الوحيد للأمم الفاشلة التي تحاول تعويض عجزها الحاضر بانتساب زائف لأسلافٍ غرباء.

يتفاخرون بآثار حضارية ليست لهم، ولا هم امتداد لها، فالحضارة الحقيقية ليست إرثاً يُورث، بل هي عطاء وإنجاز يُثري البشرية، ومن المعيب على أي شعب حي أن ينسب لنفسه حضارة لم يكن له دور في صنعها، ليبعدها عن واقعها البائس.

الفخر الحقيقي ليس في أن تقول: كان أبي، أو كان من قبلي، بل في أن تقدم للعالم لغةً وعِلماً وديناً يصمد أمام عوادي الزمن، كاللغة العربية التي بقيت صامدة نابضة بالحياة، بينما تآكلت لغات إمبراطوريات شاسعة.

خليفتنا الرابع، علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، قال في ذلك: «قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه».

وقال آخرون: «المجد يُصنع بالعمل لا بالانتساب للأطلال، والفرق شاسع بين من يحيي حضارة، ومن يعيش عالة على جثامينها»، و«المرءُ بفضلهِ لا بأصله، وبآدابهِ لا بثيابه»، و«الأمم الفاشلة هي التي تتباهى بعظام الموتى».

أما الشاعر فقال:

تَرَى الفَضْلَ لم يَدْخُلْ لِبيْتٍ لِرَبِّهِ      وزادَ نَداهُ في الفَضائِلِ مَحْتِدَا

وما لِيَ لا أَثني بِمجدي عَلى يَدي      إذا كانَ مَجدي عَنْ يَميني ومَسعدَا

فلماذا ننتظر مجداً موروثاً، إذا كان بإمكاننا أن نصنع مجدنا بيدنا؟

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد