: آخر تحديث

جيل مرتبط بجذور

1
1
1

تغريد إبراهيم الطاسان

لم يعد الخطر على أبنائنا أن يضلّوا الطريق.. فالخطر اليوم أن يسيروا فيه دون أن يعرفوا من أين بدأوا.

ففي زمنٍ تتسارع فيه الحياة، وتتزاحم فيه الأولويات، نُحسن كثيرًا أن نوفر لأبنائنا سُبل الراحة، لكننا - دون أن نشعر - قد نُقصّر في منحهم ما هو أعمق: أن يعرفوا عمق جذورهم. وحجم العمق الذي تضرب فيه هذه الجذور في عمق التاريخ والثقافة.. والذاكرة الإنسانية والاجتماعية والمجتمعية.

الأسرة اليوم لم تعد كما كانت بالأمس.. حيث تراجعت الحكايات، وخفتت المجالس، وتضاءلت التفاصيل الصغيرة التي كانت تُصنع منها ذاكرة مشتركة تتوارثها الأجيال.

أصبح لكل فرد عالمه الخاص، وشاشته التي ينتمي إليها، واهتماماته التي لا تتقاطع بالضرورة مع من يشاركونه المنزل ذاته.

نحن اليوم أمام «تفكك صامت»، لا يُقاس بالغياب الجسدي، بل بغياب الروابط العميقة التي كانت تُشكّل معنى الأسرة.

في الماضي، لم تكن العائلة مجرد إطار اجتماعي، بل كانت حكاية تُروى، وهوية تُبنى، وانتماءً يُورث. كان الأبناء يعرفون قصص آبائهم وأجدادهم، يتناقلون المواقف، ويستمدون منها معنى الصبر، وقيمة العمل، وفخر الانتماء.

أما اليوم، فثمة مفارقة مؤلمة: كثير من الأبناء يعرفون تفاصيل حياة مؤثرٍ لا يمتّ لهم بصلة، أكثر مما يعرفون عن جذورهم التي شكّلتهم.

من منظور الخدمة الاجتماعية، لا يُعدّ الانتماء ترفًا عاطفيًا، بل حاجة نفسية أساسية. فالإنسان الذي لا يعرف قصته، ولا يشعر بامتداده، يعيش حالة من «الفراغ الوجودي»؛ قد لا تظهر بوضوح، لكنها تتسلل في صورة قلق، أو تردد، أو قابلية عالية للتأثر بأي نموذج عابر.

وحين تغيب الجذور، يصبح الثبات هشًّا، والهوية قابلة للتشكّل وفق ما يفرضه الخارج، لا ما ينبع من الداخل.

ولا يقتصر أثر هذا التحول على الفرد، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله. فالمجتمعات القوية لا تُبنى على الأنظمة والاقتصاد فقط، بل على روابط إنسانية عميقة تبدأ من الأسرة.

وحين يكبر الأبناء دون شعور حقيقي بالانتماء، يصبح المجتمع أكثر عرضة لتفككٍ ناعم، يبدو مستقرًا ظاهريًا، لكنه يفتقد التماسك الذي يظهر عند أول اختبار.

وإذا كانت الهوية الوطنية التي نحرص عليها كهدف مهم من أهداف رؤيانا.. ومن أعظم مصادر القوة لمجتمعنا.. لا تُبنى في الفراغ، إنما تبدأ من «هوية أصغر» تصوغها الأسرة.

فالطفل الذي يعرف من هو، ومن أين أتى، وما الذي تمثّله عائلته من قيم، يكون أكثر قدرة على فهم وطنه، وأكثر وعيًا بدوره فيه.

إن إعادة بناء هذا العمق لا تحتاج إلى مشاريع معقدة، إنما إلى وعيٍ بسيط ومتكرر.. أن نُعيد الحكاية إلى بيوتنا، أن نمنح أبناءنا فرصة لسماع قصص آبائهم وأجدادهم، أن نُشركهم في تفاصيلنا، ونمنحهم شعورًا بأنهم امتدادٌ لقصة أكبر منهم. فالأبناء لا يبحثون فقط عن الرعاية، بل عن المعنى.

لسنا أمام جيل ضعيف، نحن أمام جيل كل ما حوله يعمل ليربطه بجذوره.. ولكنه يواجه مشتتات تصرفه عن ذلك رغم الجهد المبذول.

لذاك هناك فرق بين أن نمنح هذا الجيل كل شيء.. وبين أن نمنحه «نفسه».. فرقٌ تصنعه لحظات أسرية صادقة، وحكايات إعلامية حقيقية ومؤثرة، ووعيٌ يدرك أن التربية ليست فقط ما نقدمه، بل ما نزرعه في عمق الانتماء.

حين نُعيد أبناءنا إلى جذورهم.. نُعيدهم إلى أنفسهم. وحين يعرف الإنسان من هو، لا يُستدرج ليكون نسخة من أحد.

هنا يبدأ الوعي، ويُبنى وطنٌ لا يهتز، لأن أبناءه يعرفون جيدًا من أين بدأوا، وإلى أين ينتمون وإلى أين يأمل وطنهم منهم أن يصلوا به.. في الوقت الذي يصلون إلى ما يريدون من خلاله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد