: آخر تحديث

مفاوضات إسلام آباد.. النهاية المتوقعة!

6
5
6

لم يكن فشل مفاوضات إسلام آباد مفاجئًا لمن تابع مساراتها؛ فالمشهد الذي رسمه فانس وهو يغادر إسلام آباد خالي الوفاض بعد أكثر من عشرين ساعة من التفاوض كان تأكيدًا لما كان واضحًا منذ البداية، وتجلى ذلك في لغة فانس نفسه؛ إذ لم يقل إن الطرفين لم يتوصلا إلى اتفاق، بل اختصر المشهد بعبارة: “الإيرانيون رفضوا شروطنا”؛ فالجمود الذي واجهه فانس في إسلام آباد هو نفسه الذي عرقل مفاوضات جنيف في فبراير الماضي، حيث لم يتغير شيء جوهري، لا في الملفات ولا في المواقف، وازداد كل طرف تمسكًا بروايته عن الانتصار؛ واشنطن ترى أنها أثبتت تفوقها العسكري، وطهران ترى أنها صمدت وبقي النظام وفق عقيدة تعتبر البقاء وحده انتصارًا.

المفارقة أن رهان ترمب كان قائمًا على أن استعراض القوة سيُغيّر الحسابات الإيرانية، لكن ثمانية وثلاثين يومًا من الحرب فعلت العكس تمامًا؛ إذ عززت القناعة الإيرانية بأن البقاء ممكن، وأن واشنطن لا تملك ترف استئناف الحرب في ظل خسارة عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالمية، وما يترتب عليها من تضخم، وأسواق متوترة، وناخبون غاضبون.. الإيرانيون يعرفون هذا، وهذه المعرفة هي ورقتهم الأقوى على الطاولة.

ما كشفته هذه الجولة أن المشكلة ليست في تفاصيل الاتفاق بقدر ما هي في أن كلا الطرفين يعتقد أنه يفاوض من موقع المنتصر.. المنتصر لا يُقدّم تنازلات، والمفاوضات بلا تنازلات تفقد معناها، حتى بدا المشهد أقرب إلى اختبار صبر مفتوح، يحاول فيه كل طرف دفع الآخر إلى لحظة القبول، وهي لحظة لم تأتِ بعد.. لأن الخيار الأميركي يسير في اتجاه إدارة أزمة ممتدة، مع إدراك أن الذهاب إلى مسار طويل يحمل كلفًا سياسية داخلية، وأن العودة إلى التصعيد ليست قرارًا سهلًا. وفي المقابل، لا يتعامل الإيرانيون مع الطاولة بوصفها فرصة اتفاق، بل مساحة لكسب المزيد من الوقت.. كما أن الجالسين على الطاولة ليسوا دائمًا أصحاب القرار النهائي، وهو ما يفسر حدود ما يمكن أن تصل إليه أي جولة تفاوضية.

في الخليج يُنظر إلى هذه المفاوضات من زاوية مختلفة؛ فالتجارب السابقة رسّخت قناعة واضحة بأن أي اتفاق لا ينعكس على السلوك الإقليمي لإيران سيبقى ناقصًا، وأن الضمانات النظرية والخرائط التفاوضية لا تكفي لبناء استقرار حقيقي. لذلك، يبدو الحذر خيارًا عقلانيًا، لا موقفًا متشائمًا.. لأن المشكلة ليست في تفاصيل الاتفاق، بل في غياب الإرادة السياسية لدفع كلفته؛ خصوصًا أن الجميع يعرف ما الذي يجب عليه فعله، لكن لا أحد مستعد لإعلان ذلك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد