الكاتب الليبي الكبير الراحل الصادق النيهوم اشتبك مبكراً مع معادلة الثروة والشعوب والعقول. بلغة يبث فيها ذبذبات ساخرة، تقرع نواقيسَ تضيء للتائهين فوق كنوز المال المتدفق من تحت أقدامهم. في سنة 1968 نشر الصادق النيهوم مقالاً بصحيفة «الحقيقة» ببنغازي، تحت عنوان «شحاذ في سوق بغداد».
في أواخر ستينيات القرن الماضي، بدأت آثار النفط المنتج في ليبيا تظهر على ملامح الحياة في البلاد. رجلان تطيّرا، بل تشاءما، من ذلك السائل الثمين الرهيب، المتدفق من جوف الأرض. الأول كان الملك الراحل محمد إدريس السنوسي، والثاني الكاتب الليبي المتمرد الذي يعيش في فنلندا الصادق النيهوم. عندما بُشر الملك الراحل إدريس مبكراً، باكتشاف كميات كبيرة من النفط في البلاد، لم تظهر على وجهه علامات الفرح، بل نظر إلى المكلف بملف النفط، في صمت ثم قال له: ليتكم بشرتموني باكتشاف الماء وليس النفط.
استهل النيهوم مقالته بسطور كتب فيها: «قصة البترول في البلدان النامية، مثل قصة علاء الدين والمصباح السحري، رمز شديد الحدة لما يستطيع النهم البشري أن يفعله في مجتمع من الرجال البسطاء. رمز للبطن المتورم الذي يستطيع أن يجعل عالم الإنسان مجردَ كيس جلدي معبأ بالأطعمة المعلبة»، ثم انتقل إلى قصة بلدين تدفق فيهما البترول بكميات هائلة، هما إيران وفنزويلا. لكن بعد سنوات طويلة من تدفق البترول بكميات كبيرة، لم تنخفض نسبة الأمية، أو يتضاعف الإنتاج الزراعي، كل الذي ارتفع هو صوت الخطب الحماسية التي تبشر بالتقدم العظيم. بعد ثمانية وثلاثين عاماً من إنتاج النفط، تأتي إيران في الترتيب السابع والثمانين بين دول العالم في ترتيب النمو. ويقفل الصادق ما سبق أن ساقه بكلمات قليلة، أليس ذلك مثيراً للدهشة؟
لا بد أن ينهض السؤال أمام ذلك، وهو ما السبب فيما حدث؟ يجيب النيهوم فيكتب: «الواقع أن أحداً لم يلقِ نقود إيران من النافذة. أعني أن أحداً لم يسرق تلك النقود ويخبئها في المحيط، كل ما حدث أن دخل البترول ابتلعته المشاريع الميتة، وصار كوماً ميتاً من الحجر، أما الأرض والمصانع والاستثمارات الحية فلم يهتم بها أحد، سوى الفقيه صاحب دكاكين الكتابة العمومية». ويقف الكاتب عند الانهيار الاقتصادي الكارثي الذي سيحلّ بإيران. المقالة كُتبت في عهد الشاه، قبل ثورة الخميني.
انتقل النيهوم في مقالته مباشرة من إيران البترولية، إلى مثيلتها البترولية فنزويلا في البحر الكاريبي.
الصادق النيهوم لا يترك غريمه المرافق له دائماً، وهو الفقيه الذي يكتبه كما ينطقه عامة الليبيين، أي الفقي. في فنزويلا المسيحية الكاثوليكية يفتح الفقي دكاناً للكتابة العمومية، فهو الذي يعرف الحقيقة أكثر من سواه، فقد كتبها في كل خطبة إسبانية فصيحة تردد صداها في شرفات كاراكاس العاصمة، وكتبها بلغات المواطنين الحمر أيضاً بالفحم على الجدران. يلوّح النيهوم إلى الآيديولوجيا التي يختلط فيها النفس الديني الموروث، بالهتاف اليساري الذي استوطن أميركا اللاتينية، منذ ثورة زعيمها سيمون بوليفار.
يندفع كاتبنا في رحلة تفكيك الكيان الفنزويلي البترولي، ويشخص أعراض الوباء الأسود السائل، الذي أصاب تلك البلاد. الفقيه والسخرية العابرة للمكان والزمان، لا يجفلان عن قوافل سطور النيهوم، حتى وهو يكتب عن الاقتصاد بالأرقام. يستدعي ما كان في خيالات بغداد. يدخل إلى دنيا فنزويلا من باب المفارقات التي يعلو فيها بخور ألف ليلة وليلة. طار من إيران إلى فنزويلا، في رحلة مباشرة من دون محطة عبور فكتب: وفنزويلا تنتج البترول منذ عام 1920 بهمَّة تدعو إلى الإعجاب، فهي تنتج الذهب والحديد وبقية الأشياء الأخرى، التي قررت شهرزاد أن تدعوها «مصباح علاء الدين» ومع ذلك، أعني رغم ثمانية وأربعين عاماً من الإنتاج بهمَّة تدعو إلى الإعجاب، ورغم كل النوايا الطيبة وخطب الكاتب العمومي، فإن الإحصاءات تروي قصة أخرى: نسبة الأمية في فنزويلا 49 في المائة وثمة طبيب واحد لكل 1000 من السكان، ونسبة الأراضي المزروعة إلى مساحة فنزويلا كنسبة واحد إلى تسعين، ولا صناعة على الإطلاق سوى مصنع التبغ المحلي. الماشية نقصت بمقدار النصف، أي من ثمانية ملايين رأس إلى أربعة ملايين فقط، خلال السنوات الخمس الأولى من بدء إنتاج البترول، ومتوسط دخل الفرد 170 جنيهاً في العام. فنزويلا تأتي من حيث نموها الاقتصادي، في الترتيب الخامس والستين بين دول العالم. ويضيف النيهوم في مقاله عن فنزويلا ويكتب: نسي الخبراء في فنزويلا بقية الأشياء الأخرى، نسوا أنهم معرضون للموت جوعاً في شوارع كاراكاس، إذا قررت الولايات المتحدة الأميركية أن تكف عن شراء بترولهم. كما حدث خلال عام 1950، ولم يتذكر أحد تلك الحقيقة القديمة، حتى طلب الرئيس الأميركي ليندون جونسون من وفد فنزويلا في الأمم المتحدة، أن يعطي صوته لصالح إسرائيل، أو يمنع عنهم الخبز.
يختم الصادق النيهوم مقاله فيكتب: «إن البترول ومصباح علاء الدين قصتان مضحكتان، فإذا ضاع المصباح اكتشف علاء الدين أنه ما يزال شحاذاً في سوق بغداد». ويكتب في السطر الأخير: «يا إلهنا، هل ستترك ذلك يحدث في ليبيا؟». نشر ذلك المقال عام 1968.

