: آخر تحديث

الإعلام والنشر الرقمي بين المهنية والفجور في الخصومة

3
2
2

فيصل الشامسي

لم يعد الإعلام والنشر الرقمي مجرد وسيط لنقل الخبر، بل تحول، في زمن المنصات المفتوحة، إلى أداة قادرة على صناعة الوقائع وتزييفها في آنٍ واحد، ومع هذا التحول، برز وجه غادر للإعلام الذي يستثمر في الإشاعة، ويعيد تشكيل الحقائق عبر الفبركات، ويستبدل التحقق بالإثارة، ويغلف التحريض بثوب الرأي، هذا الوجه لا يكتفي بتشويش الوعي، بل يسعى إلى إرباك الرأي العام وتشويه الدول المستقرة ونماذج الاعتدال عبر حملات منظمة تدار بخبث إعلامي ورقمي.

لقد وجدت الجماعات الإرهابية والتيارات المتطرفة في أدوات الإعلام الغاشم والنشر الرقمي بيئة مثالية لتسويق رواياتها، وتضخيم الأكاذيب، وبث خطاب الكراهية، مستفيدة من هشاشة المعايير لدى بعض المنصات ومن قابلية الجمهور للتأثر بالعناوين الصادمة.

وفي هذا السياق لم تكن دولة الإمارات هدفاً عابراً، بل هدفاً مركزياً؛ لأن ضرب المصداقية بات، في حسابات المتطرفين، أقصر طريق لتشويه نموذج اختار الاستقرار، وقدّم التنمية، ورسّخ التعايش، وواجه التطرف بالفعل لا بالشعار.

هنا يتكشف الفارق الجوهري بين الإعلام المهني والإعلام الفاجر في الخصومة؛ فالمهنية تعني التحقق الصارم والمصداقية، واحترام السياق، والفصل الواضح بين الخبر والرأي، والنقد والتشويه.

أما الفجور في الخصومة فهو انحدار أخلاقي يحول المنصات إلى غرف صدى للكراهية، ويستبيح السمعة، ويقتطع الوقائع من سياقها، ويُسخّر العاطفة لإنتاج الكذب، وحين يغيب الضابط القيمي يتحول الإعلام إلى ساحة للفجور والتضليل.

في مواجهة هذا المشهد قدّمت دولة الإمارات مقاربة مختلفة، قوامها الحكمة والاتزان، لا الانفعال والاندفاع، فالمقاربة الإماراتية لم تكن رد فعل على الحملات، بل سياسة استباقية تدرك أن معركة الإعلام تدار بالحكمة والاتزان وبمعيار القيم.

ومن هنا لم تُدر الإمارات حملات التشويه بردود انفعالية، ولم تساوم على قيمها في معارك الضجيج، بل اختارت مساراً ثابتاً نحو ترسيخ المعلومة الموثوقة، دعم الإعلام المسؤول، والتحصين المجتمعي بالوعي، هذا الموقف لم يكن صمتاً، بل قراءة عميقة لطبيعة الصراع على السردية، وإيماناً بأن الحقيقة، حين تكون متجذرة، لا تحتاج إلى صراخ دائم.

وتتجسد هذه المقاربة في ما يُعرف مجتمعياً وعالمياً بـ«أخلاق عيال زايد»؛ منظومة قيم تقدم ضبط النفس على الاستفزاز، والاحترام على الإساءة، والفعل على الجدل، أخلاق ترى أن ليس كل ما يُنشر يستحق الوقوف عنده، ولا كل اتهام يستوجب رداً، لأن الرد الأبلغ يكون في الثبات على النهج، والتحلي بالقيم، والترفع عن المستنقعات، وهي أخلاق تميز بين النقد المشروع، الذي يرحب به، وبين التحريض والتشويه، الذي يُواجَه بالحكمة لا بالانسياق.

لقد استغلت الجماعات المتطرفة الفضاء الرقمي لترويج سردياتها، لكن التجربة أثبتت أن هذه السرديات قصيرة العمر أمام سِجل طويل من السياسات المتزنة والمواقف المسؤولة، فالمجتمع الدولي يميز بوضوح بين دولة تُدار بالعقل وتلتزم بالمعايير وتلعب دوراً محورياً نحو تحقيق الاستقرار والسلام، وبين حملات تبحث عن أثر لحظي، والمواقف تُبنى على السلوك المتحقق، لا على الضجيج العابر.

إن خطورة الإعلام الغادر اليوم لا تفرض مسؤولية على المؤسسات وحدها، بل على الأفراد أيضاً، فكل مشاركة غير واعية، وكل إعادة نشر متعجلة، تسهم من حيث لا يدري البعض، في خدمة أجندات لا علاقة لها بالحقيقة، ومن هنا يصبح الوعي الفردي خط الدفاع الأول، ويغدو السلوك الرقمي مرآة للأخلاق الوطنية.

وبين المهنية والفجور في الخصومة تُختبر الدول والمجتمعات، وقد اختارت الإمارات أن تكون في صف المهنية والأخلاق، وأن تجعل من قيم عيال زايد درعاً للوعي.

وهكذا تثبت الإمارات أن المهنية ليست خياراً ظرفياً، بل هوية دولة؛ وفي عالم تتسارع فيه الأكاذيب يظل هذا الخيار الأكثر صلابة، والأبعد أثراً، والأقرب إلى مستقبل تحكمه الحقيقة لا الضجيج.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد