: آخر تحديث

شمال الصومال وجنوب اليمن.. السر في التوقيت!

4
3
3

محمد بن عيسى الكنعان

ليس خافيًا أن هناك مشروعًا خطيرًا يهدف إلى تقسيم العالم العربي تحت دعوى (الشرق الأوسط الجديد)، وقد بدأت إرهاصاته مع أحداث الجحيم العربي، الذي يسمونه زورًا بـ(ثورات الربيع العربي)، ولكن انكشاف بعض مراحله بهذه السرعة، وفي مواقع استراتيجية يجعل العرب أمام تحد حقيقي يخص مصيرهم المشترك، خاصةً بعد أن بدأت كثير من دعوات الانفصال ترفع عقيرتها بالصياح، والاستقواء بالكيان الإسرائيلي كما هو حال بعض دروز سوريا. والمتابع للمشهد العربي كان يعتقد أنها مجرد دعوات طائفية جاءت عفوية محاولةً استغلال الأوضاع السورية التي لا زالت تواجه التحديات، أو كما يحدث حاليًا في الانقسام الليبي، أو الاطراد داخل السودان؛ بسبب العبث الذي قامت وتقوم به قوات الدعم السريع في الفاشر.

غير أن هذا الاعتقاد يبدو بريئًا جدًا وساذجًا في عالم السياسة! فكما كان هناك ما يسمى (محور المقاومة) لتمرير المشروع (الإيراني) داخل المنطقة العربية من خلال استغلال القضية الفلسطينية والحالة اللبنانية، فأيضًا هناك (محور الانفصال) الذي بدأت معالمه الجغرافية تظهر لخدمة المصالح الصهيونية في المنطقة العربية، والهادف إلى السيطرة على الممرات المائية في البحر الأحمر وبحر العرب والتحكم في القرن الإفريقي، وما حدث في جنوب اليمن كشف مشروع هذا المحور، عندما قامت قوات المجلس الانتقالي بالانقلاب على الشرعية اليمنية، ومهاجمة محافظتي حضرموت والمهرة المهمتين والسيطرة عليهما في 9 ديسمبر 2025م تمهيدًا لانفصال جنوب اليمن عن شماله؛ إلا أن المملكة العربية السعودية بحكمة قيادتها، ونبل سياستها، وصلابة موقفها، وحزم فعلها استطاعت وأد هذا المشروع في مهده، الذي كان مخططًا له أن يأتي متكاملًا مع إعلان أرض الصومال (صوماليالاند) استقلالها، واعتراف إسرائيل بها في 26 ديسمبر 2025م، فهذه الأرض التي لم يتم الاعتراف بها دوليًا تقع في شمال الصومال بالبر الإفريقي على شاطئ خليج عدن، وأكبر مدنها هرجيسا، وقد احُتل الشمال الصومالي من قبل المملكة المتحدة (الاستعمار البريطاني) عام 1884م، واستقل في 26 يونيو 1960م، واعترفت به 35 دولة، ثم في نفس العام وبأيام قليلة استقل الجزء الجنوبي للصومال عن إيطاليا في الأول من يوليو بموجب قرار الأمم المتحدة، وكانت إيطاليا قد احتلته عام 1889م، بعد استقلال الإقليمين (شمال الصومال وجنوبه) اتحدا مباشرةً، وتشكلت الجمهورية الصومالية الموجودة اليوم وكان رئيسها آنذاك آدم عبد الله عثمان، ثم عبد الرشيد علي شارماركي الذي اغُتيل عام 1969م، فتولى السلطة الجنرال محمد سياد بري الذي حكم الصومال لمدة 22 عامًا حتى العام 1991م، خلال السبعينيات الميلادية دخلت الصومال في حرب مع جارتها إثيوبيا لتحرير إقليم أوجادين الصومالي، لكنها فشلت بسبب تدخل الاتحاد السوفيتي (روسيا حاليًا) لصالح إثيوبيا.

في مطلع العام 1991م اندلعت حرب أهلية بالصومال، ودخلت فصائل المعارضة الصومالية العاصمة مقديشو وسقطت الحكومة المركزية؛ فغادر سياد بري الصومال إلى نيجيريا حيث توفي العام 1995م. خلال هذه الحرب استغلت الحركة الوطنية بـ(الشمال الصومالي) هذا الظرف التاريخي المضطرب وأعلنت استقلالها عن بقية الجمهورية الصومالية باسم (أرض الصومال)، وكونّت حكومة مستقلة، ومن ذلك الوقت سعت إلى نيل الاعتراف الدولي، لكنه لم يتحقق.

هنا يأتي السؤال: أين إسرائيل في هذه المعادلة؟ يعتقد بعضهم أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال الذي تم قبل أيام هو وليد اللحظة، لكن المعلومة التاريخية تقول: إن إسرائيل كانت من ضمن الدول التي قدمت تهنئة الاستقلال لأرض الصومال عام 1960م، وكأنها تؤسس لأرضية من العلاقات المستقبلية، وتضع خطتها الاستراتيجية للسيطرة على القرن الإفريقي وباب المندب، فالسيطرة على الممرات المائية يمنحها النفوذ الإقليمي ويحميها من الحصار أو التطويق، لذا جرت اتصالات فعلية بين الإسرائيليين والصوماليين عام 1995م (بين إسحاق رابين ومحمد إبراهيم عقال) وذلك عقب انفصال أرض الصومال عن الجمهورية الصومالية؛ غير أن التقارب الفعلي بين الطرفين جرى خلال عام 2024م بالاتصالات المكثفة والتواصل المباشر، ثم شهدت نهاية عام 2025م اعتراف إسرائيلي بـ(أرض الصومال).

بعدها عليك أن تتمعن في المشهد، وتحديدًا في الأحداث المتسارعة، والمواقف السياسية، ودعوات الانفصال، والأدوار الوظيفية التي تقوم بها بعض الدول خدمةً للكيان الصهيوني، وتربط كل ذلك بما جرى ويجري بجنوب اليمن، لتكتشف السر وهو في توقيت الأحداث وإعلان المواقف وبالذات (الدعوة لانفصال جنوب اليمن، والاعتراف بأرض الصومال خلال ديسمبر 2025م)، ثم تلاحظ كامل المشهد بدايةً باليمن، مرورًا بأرض الصومال، والفاشر بالسودان، وليبيا، ونهايةً بإسرائيل، لترى كيف يتشكل محور الانفصال والتطويق والسيطرة على باب المندب والقرن الإفريقي؛ لهذا كان الرد السعودي حاسمًا بتوقيته، وسريعًا في فعله، ومسددًا في هدفه، ولغته السياسية واضحة المفردات ومحددة الزمن، فالقضية تجاوزت أهداف تقسيم اليمن والصومال وغيرهما إلى تهديد الأمن الوطني للمملكة والأمن القومي لجمهورية مصر العربية، وهما أكبر وأهم دولتين عربيتين في الوقت الراهن.

يقول أبو الطيب المتنبي:

وجاهل مدّه في جهله ضحكي

حتى أتته يدٌ فراسة وفمُ

إذا رأيت نيوب الليث بارزةً

فلا تظنن أن الليث يبتسمُ


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد