: آخر تحديث

«شارع الأعشى»... وسرّ «الحدوتة» السعودية!

5
4
3

كالعادة، جاءت ردود الفعل صاخبة على المسلسل الرمضاني السعودي «شارع الأعشى»... بعضهم عبّر عن دهشته حين تجلّت الصورة عن أحداث اجتماعية وقعت في فترة السبعينات والثمانينات، قبل سطوة التيار المحافظ، بعض الدهشة كان استغراباً وبعضها كان استنكاراً، وفي كل الأحوال كان المسلسل مناسبة لإثارة النقاش حول التحولات التي عاشها المجتمع السعودي.

نجح مسلسل «الأعشى» كما نجح «العاصوف»، وكما نجح «خيوط المعازيب»، لأنها جميعاً اعتمدت على جاذبية «الحدوتة» السعودية، حيث الحكاية الشعبية لم تعد مجرد تراث، بل يمكن أن تصبح جزءاً من صناعة ثقافية حديثة تعبر عن تطور المجتمع وتسرد التحولات التي مرّ بها. فقوة الحكاية السعودية في أنها نفضت عن نفسها سنوات من المداراة والتشكل والتصنّع، والانصياع للثقافة السائدة، وأصبحت اليوم تعبّر عن نفسها بأسلوب بسيط ومباشر، وتعكس موروثاً ثقافياً مثيراً للاهتمام، خاصة حين تحولت من عمل أدبي إلى عمل درامي، فالدراما تساهم في تشكيل وعي الناس تجاه التحولات التي تعيشها الدولة والمجتمع، وبالإضافة لكونها عملاً ترفيهياً؛ هي أيضاً أداة قوية لمساعدة الرأي العام، في فهم التغيرات، وإعادة تشكيل القيم الاجتماعية.

وتأتي أهمية الحكاية السعودية، في ثوبها الجديد، كونها جريئة وغير معتادة، وتكسر الصورة النمطية للمجتمع «المثالي» أو «الطوباوي» الذي صاغته السرديات المحافظة، وهي أعمال تقدّم رواية سعودية أصيلة، بدلاً من استيراد القصص والسرديات الأجنبية، أو تلك الأعمال المصنوعة بفخامة استعلائية لا تستسيغها الذائقة الشعبية.

وتساهم الدراما الاجتماعية التي تروي سيرة المجتمع في خلق الوعي وإثارة النقاش، خاصة حول قضايا كانت تعتبر «مسكوتاً عنها»، مثل الهوية الثقافية ودور المرأة، وحضورها في المشهد العام، أو الصراع بين الأصالة والحداثة، وكذلك انتعاش التنوع الثقافي داخل السعودية، وهي قضايا حاول الاتجاه المحافظ طمسها وتغييبها، وإبراز الحكايات الشعبية يمنح صورة أوسع للمجتمع السعودي... كذلك تتيح الحكاية المحلية فرصة لسرد تاريخ المجتمع السعودي من وجهة نظره الخاصة، وتوفر مادة خاماً لصناعة السينما والأدب والمسرح، مما يعزز الإنتاج الثقافي المحلي.

نجحت الدراما العربية حين اعتمدت على الحكاية الشعبية للمجتمع «الحدوتة»، مثل: «الشهد والدموع» و«ليالي الحلمية» و«باب الحارة» وغيرها، هذه أعمال تحكي سيرة مجتمع والتحولات التي عايشها. ونقطة نجاح الدراما السعودية ليست في قوة الإنتاج من الناحية المالية، وليست في قوة وسائل العرض، وانحسار المنافسة، ولكنها في اكتشاف سرّ القصة السعودية التي يرغب الناس داخل المملكة أولاً، وفي الخارج ثانياً، في قراءتها ومشاهدتها والمشاركة في النقاش العام حولها... واليوم، يمكن أن تصبح الحكاية الشعبية جزءاً من المشروع الثقافي السعودي الحديث، ليس فقط كتراث محفوظ، بل كأداة إبداعية تواكب العصر، وفي ظل التغيرات الثقافية والانفتاح الذي تشهده المملكة.

أكثر ما أثار المنتقدين لمسلسل «شارع الأعشى» ظهور المرأة في الحياة العامة تستجيب لمشاعر الحبّ والغزل... ليعودوا إلى ما عرضه «صناجة العرب» أبو بصير «الأعشى» (570-629)، والذي عاش في «منفوحة» جنوبي الرياض، وأصبح هذا المسلسل يحمل اسم الشارع الذي يرمز إليه، وجاء في معلقته التي تسمى «لامية الأعشى» وصف فاتن للمرأة وحضورها، يقول:

«ودِّع هریرةَ إنَّ الرکبَ مرتحلُ / وهل تطیقُ وداعاً أیُّها الرجلُ / غراء فرعاء عوارضها / تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل / كأن مشيتها من بيت جارتها / مرّ السحابة لا ريثٌ ولا عجل / تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت / كما استعان بريحٍ عشرقٌ زجل / ليست كمن يكره الجيران طلعتها / ولا تراها لسر الجار تختتل / يكاد يصرعها لولا تشددها / إذا تقوم إلى جاراتها الكسل».

وفي هذه القصيدة يرمي الأعشى بيتاً في وجه خصومه، قائلاً: «كناطح صخرة يوماً ليوهنها / فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد