سؤال سوف يبقى مفتوحًا ما بقيت القضية الفلسطينية تراوح مكانها تستجدي حلاً أمميًا ينهي الصراع العربي الإسرائيلي الممتد لأكثر من سبعة عقود، وطالما استمرت الخلافات بين السلطة الفلسطينية في رام الله والتنظيمات الراديكالية في غزة قائمة تمنع توحيد القرار وتشتت قوة العمل الموحد لمواجهة عدو مدجج بأكثر الأسلحة فتكًا. هذا السؤال تجده يُطرح دائمًا عند بعد كل إجراء انتقامي تتخذه إسرائيل ضد «حماس» أو «حزب الله» على خلفية استفراد هذه التنظيمات بقرار في حجم قرار الحرب، فهما التنظيمان المدعومان من إيران، وهما اللذان يتخذان كل قراراتهما خارج إطار الإجماع العربي وبناءً على أوامر صرفة من إيران، وبدء عملية التهجير التي يبدو أنها ستكون القضية المستجدة من ضمن القضايا التي تبحث عن حل. هذا السؤال الذي يتداوله العرب هذه الأيام في خضم التفجيرات التي تهز قطاع غزة وتذبح شعبها المظلوم من الوريد إلى الوريد هو: إلى متى سيستمر الشعب الفلسطيني يتجرع صنوف القتل والتشريد والتجويع من سوء تدبر الطريقة التي يتم فيها البحث عن قيام دولة فلسطين العربية الحاضنة لكل الفسيفساء الاجتماعية في إطار حل الدولتين؟
الإجابة عن مثل هذا السؤال وبالشكل الذي ينهي مبررات طرحه عند كل عملية قتل إسرائيلي لأهلنا في فلسطين، من وجهة نظري، لا تبدو مستحيلة إذا ما تم التأكيد على أن القضية الفلسطينية قضية عربية في المقام الأول، صحيح أنها عربية إسلامية، كما تنص على ذلك الأدبيات المتعلقة بتأريخ الصراع وما درجنا على سماعه من بداية الوعي بالقضية، ولكن لأن فلسطين في قلب الوطن العربي، وأصحاب هذه القضية عرب، والجغرافيا التي ولدت فيها هذه القضية عربية، والتاريخ الذي يجمع أصحاب هذه القضية عربي، فإنه يجب أن تبقى الحلول، سلمية كانت أم عسكرية، عربية أيضًا، أما الدول الإسلامية فيجب أن يقتصر دورها على الدعم والمؤازرة، وأما القرار فيجب أن يكون عربيًا، وأن يبقى عربيًا في إطار دولة شرعية ومن خلال جامعة الدول العربية.
أقر بأن هذا ليس تصورًا عاديًا في ظل تاريخ طويل من التناول على أن القضية الفلسطينية قضية عربية إسلامية، لكن، ما النفع الذي سيجنيه العرب من اقتران القضية العربية أصلاً بدولة إسلامية مثل إيران التي تبغض العرب أصحاب القضية، وتستدرج بسبب هذه القضية عربًا لكي يعملوا على تغليب مصلحة إيران على مصلحة أوطانهم؟ القضية الفلسطينية عربية إنسانية بكل ما تحمل كلمة إنسانية من أبعاد.
مصائر الشعوب العربية من البحر إلى البحر مسؤولة عنها دول شرعية معترف بها وليس منظمات حزبية تتلقى الدعم من دولة تستعدي كل ما هو عربي، وتمارس أبشع صور الإذلال ضد شعوب عربية أرادت أحزاب طائفية فيها ربط مصائر بلدانها بما يحقق مصالح إيران. إيران وكل الأحزاب والمنظمات التي تسير في فلكها، من الخليج إلى المحيط، انبروا منذ اليوم الأول الذي بدأت فيه حماس «طوفان الأقصى» بتوجيه إعلام «المقاومة» لتكميم أفواه من سيعارض عمليتها التي، وبالرغم من نجاحها في تحقيق عنصر المباغتة وإظهار الشجاعة لاقتحام الجدار الحديدي، إلا أنها بلا أهداف استراتيجية؛ ذلك أن الأهداف الإستراتيجية في مثل عمل عسكري بهذا الحجم تتخذه دول تمتلك جيوشًا واقتصادًا قويًا، وتُحكم الاستعداد لتداعيات ما أقدمت عليه حتى لا تنقلب بطولة وهمية مداها مؤقت إلى مأساة أبدية.
الآن ورحى الحرب تسحق الأبرياء وتعيث فيهم تهجيرًا وتجويعًا وتدوس على القيم الإنسانية، ماذا تملك حركة حماس لتقدمه للمواطنين المغلوب على أمرهم غير أن تطلق على من يلقى حتفه صفة «الشهيد»؟ وهم إن شاء الله شهداء من دون انتظار صدور الصكوك من خامنئي أو اسماعيل هنية. لكن المرء يتساءل هنا هل هذه صفة «الشهادة» كافية لتعفي حركة حماس وكل التنظيمات الراديكالية والأحزاب السياسية الدينية الراديكالية عن مسؤوليتها في قذف المواطن الفلسطيني في الجحيم ليتدبر أمر خلاصه؟
دعم الشعوب العربية هو دعم للقضية الفلسطينية بعامة، ولا ينبغي أن تفهم كل الحركات الراديكالية في فلسطين أو غيرها من الدول من خلال المسيرات الحاشدة في بعض المدن العربية والأجنبية بأن ما تقوم به يلقى القبول عند الشعوب العربية وعليها أن توقع لها على بياض فيما يخص مستقبلها؛ ذلك أن هذه الشعوب تنتمي إلى دول شرعية تستمد مواقفها من مواقف دولها الداعمة للقضية الفلسطينية. ويجب أن نفهم أن هناك أحزابًا سياسية متأسلمة تنتهز كل فرصة للطعن في مواقف دولها؛ لأن هذه الأحزاب لا ترى في الأوطان إلا حفنة من تراب على حد قول أحد منظري الإخوان المسلمين.
ما يجري في غزة الآن لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة موضوعية مفادها انقلاب جماعة حماس على السلطة الفلسطينية واقتطاعها غزة لتديرها كما يحلو لها ولتفرض حالات من الكر والفر مع إسرائيل الغريب في شأنها أنها لم تخدم سوى إسرائيل ولم تصنع شيئًا سوى مساعدة اليمين المتطرف في إسرائيل على اعتلاء سدة الحكم واستبعاد كل الأصوات الداعمة لحل الدولتين تدريجيًا، ورحم الله ابن خلدون حين عرف التاريخ بأنه «في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق...».
أسئلة على هامش الحرب في غزة...
مواضيع ذات صلة

