في أقل من عشرة أيام نجح "حزب الله" في إزالة "ورقة التين" التي كانت تستر عورة الحكومة اللبنانية ومعظم الطاقم الحاكم في لبنان الذي استسلم كلياً لمشيئة الحزب المذكور في ما يتعلق بقرار الحرب مع إسرائيل. ويمكن للمراقب ان يعاين بسهولة مسلسل الاحداث التي مرّت منذ عملية "طوفان الأقصى" يوم السابع من تشرين الأول، لا سيما على الحدود الجنوبية مع إسرائيل، لكي يكتشف ان "حزب الله" أوصل لبنان الى حافة الحرب الشاملة مع إسرائيل، وانه ادخل معه الى ساحة الجنوب التي تُعتبر منطقة عمليات للقوات الدولية "اليونيفيل" ويُفترض انها منزوعة السلاح، الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت عنوان "غرفة عمليات وحدة الساحات". ولم يفت "حزب الله" ان يمرّغ أنف الدولة وسيادتها والأجهزة الأمنية التابعة لها مئة مرة في اليوم من خلال ابرازها مهيضة الجناح، وتخدم اجندة تصاغ في طهران. وقد وصل الامر الى حد اعتراف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي المشهور بأنه يدوّر الزوايا الى أبعد الحدود ليعترف على الملأ بان قرار الحرب مُصادر، والحكومة متفرجة ولا علاقة لها بما يحصل.
طبعا كنا نعرف واقع الحال. لكننا لم نكن نعتقد ان المسؤولين الكبار في هذا البلد، وصل بهم الامر الى حد الاستقالة الشاملة من واجباتهم الوطنية والأخلاقية والمعنوية الدستورية. فالاتصالات التي أعلن ميقاتي بالأمس انه اجراها مع موظفين في وزارة الخارجية الأميركية، وبعض القادة الأوروبيين، لم تكن هي المطلوب. ذلك ان المشكلة لم تكن مع واشنطن وشركائها الاوروبيين، بل مع "حزب الله" نفسه الذي لم يتورع عن إهانة ميقاتي والحكومة وكل المستوى السياسي من خارج الممانعة مرات ومرات. والطامة الكبرى ان كل هذه الاهانات لا تفعل فعلها ولم توقظ ضمائر الحكام المستسلمين أو المتواطئين الراضين بأن يوضع بلدٌ بأمه وأبيه على حافة حرب لا تبقي ولا تذر.
نحن نعرف تماما ان "حزب الله" لن يلتفت الى الانتقادات. وهو في الاصل غير مهتم بها. لكن ما يهمنا هو الموقف الوطني المطلوب من حكومة، ولاسيما من رئيس الحكومة. وهنا لا نتحدث عن الموقف المائع الذي ادلى به الرئيس ميقاتي يوم أمس، بل نتحدث عن موقف صارم يرفض الزجّ بلبنان في حرب، ويرفض ان تداس الدولة، وإرادة غالبية اللبنانيين الذين يرفضون حال التوريط والتورط الحاصلَين. المهم ان يقف رجل من بين هذه الجموع من القيادات ليقول لا جازمة.
إن واجب التضامن مع الفلسطينيين لا يبرر هذه الحرب المتدرجة التي يخوضها "حزب الله" على الحدود. ولا يبرر اطلاقا ان يتحول الجنوب الى "حماس لاند" جديد. وقطعاً لا يبرر ان توضع البلاد بأسرها قسراً على طريق عبور "الفيلة".
ونقول ان تجربتنا لغاية الآن مع هذه الحرب، إنْ لم نتورط فيها هذه المرة، يجب ان تشكل جرس انذار لغالبية اللبنانيين فتوقظهم من سباتهم العميق، لان من يحكمون لبنان بهذا الأسلوب لا يجنبونه صراعات داخلية أو كما يقولون "فتنة". انهم يحفرون قبر الوطن، وقبر ما تبقّى من الدولة. انهم يمزقون بجبنهم أشلاء الوحدة الوطنية المزعومة.
إن لبنان اليوم ليس لبنان. ومشهد البلد الذي نراه ونعاينه يوميا ليس لبنان الذي نريده. وكما قلنا قبلاً: لقد انتهى لبنان الموحَّد.

