رأيتُ أن أكتبَ في هذا الموضوع لما لاحظتُه من استخدام خاطئ من قِبَل بعض غير المتخصصين للمصطلح، فقد لاحظتُ أن البعض يفهم مصطلح «الردع» deterrence على أنه استخدام فعلي للقوة، فيُقال مثلاً إن قواتنا قامت بردع العدو بمعنى أنها ردت على هجماته ولقنته درساً، بينما لا يتضمن المعنى العلمي للمصطلح استخداماً فعلياً للقوة، وإنما مجرد إظهارها في مواجهة خصم يبدو من تصريحات قياداته أو من تحركاته أنه ينوي القيام بعمل يمس مصالح الطرف الذي سيمارس الردع، كأن يُدلي مصدر قيادي في دولة ما بتلميحات بخصوص احتمالات استخدام أسلحة دمار شامل في القتال إذا أقدم الخصم على عمل معين، كما حدث عندما رفع الرئيس الروسي درجة الاستعداد في القواعد النووية عندما بدأ الحديث عن سيناريو هزيمة القوات الروسية، أو عندما صرح نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي بأن الدول النووية لا تُهْزَم، بما يفيد ضمنياً بأن هذا السيناريو لو أصبح على وشك الحدوث فسوف يكون احتمال استخدام السلاح النووي قائماً، فكأن «الردع» بالمعنى العلمي ليس استخدام القوة، وإنما استعراضها بغرض توصيل رسالة للخصم بأنه لو أقدم على تنفيذ نواياه المعلنة أو الضمنية فسوف تكون التداعيات كارثية بالنسبة له.
والسبب في اللجوء للردع أن الفاعلين الدوليين لا يستسهلون الاستخدام الفعلي للقوة لأنه بالغ التكلفة مادياً وبشرياً، ومن ثم فإن الخيار الأفضل دائماً هو إقناع الخصم بأن تداعيات أفعاله التي ستحدث أضراراً بالغةً بخصمه سوف تكون كارثية على مصالحه هو، فإذا وصلت الرسالة واضحة وقوية واقتنع الخصم بها يمكن ألا يُترجم تهديداته إلى أفعال، ولا يمضي في تحركاته إلى غايتها، ويتم تفادي القتال. ولكي يحدث هذا لابد أن يقوم المهدِّد (بكسر الدال الأولى وتشديدها) بالتصرف على نحو لا يدع مجالاً للشك في جدية تنفيذ تهديده إذا لم يرتدع المهدَّد (بفتح الدال الأولى وتشديدها)، كأن يجعل لغةَ تصريحاتِه شديدةَ الحسم ويُرفقها بأعمال تثبت قدرتَه على تنفيذ تهديداته ونيته الأكيدة في ذلك، كالقيام بمناورات أو فرض حصار بحري أو حتى اختراق المجال الجوي والمياه الإقليمية للخصم بغية الإيحاء بأن مصدر التهديد ينوي تنفيذ تهديده ويقدر عليه، وليس من الضروري أن يتراجع المُهَدَّد (بفتح الدال وتشديدها) عن نواياه دون شروط، فقد يقرر أن «يرتدع» ولكن بطلبات، كما فعل الاتحاد السوفييتي خلال أزمة الصواريخ الكوبية في مطلع ستينيات القرن الماضي عندما تراجع وقبل سحب صواريخه النووية من كوبا بعد تهديد الرئيس الأميركي كينيدي بإزالتها بالقوة أياً كان الثمن، لكن مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم معاودة محاولة غزو كوبا، وسحب صواريخها النووية من تركيا. وذلك لأن اعتبارات الرشادة تجعل كلاً من طرفي التهديد حريصاً على إبقاء المسألة بعيداً عن التوظيف الفعلي للقوة تجنباً لتكلفته الباهظة، لذا لا يمانع مصدر التهديد بتقديم تنازلات للمهدَّد طالما أن هذه التنازلات لا تمس مصالحه الحيوية، وتجنبه التكلفة الباهظة لاستخدام القوة، لكن الردع لا يؤدي دائماً إلى تفادي الصراع المسلح، فقد لا يستجيب الخصم للتهديد لحيوية الهدف الذي يريد تحقيقَه، وقد لا يقبل مصدر التهديد تقديم تنازلات لحيويتها لمصالحه، أو تؤدي أجواء الأزمة إلى غياب الرشادة.
مفهوم الردع في إدارة الصراعات
مواضيع ذات صلة

