: آخر تحديث
انعكاس

السرد.. ومنابعنا الأولى

18
18
17
مواضيع ذات صلة

لستُ من أولئك الزاهدين في إبداعنا، ولا أجيد جلد الذات بطولةً أو حتى إحباطًا حقيقيٍّا، مازلت مؤمناً بأننا متفوّقون بإبداعنا تبعاً لحداثة تكوُّن مجتمعنا المعرفي والمدني مقارنة بجيراننا العرب، وبالتالي أرى أن لنا هويّتنا الإبداعية المتفرّدة، لا سيما حينما يتعلق الأمر باستلهام موروث هذه الصحراء العظيمة التي شكّلت لكل عصور الحضارة العربية منابع أولى غاية في الأهمية، حيث استكشاف الذات العربية وسبر أغوارها، وتحليل حاضرها من خلال ماضيها المتجذّر فيه..

وإذا كان الشعر (عندنا) قد نجح وتفرّد دائماً بتوظيف موروثنا العربي القديم على كافة المستويات تمثلاً أو استدعاءً أو استلهاماً، واستطاع بهذه العودة الواعية للمنابع الأولى أن يختط له منهجًا خاصًّا به، يحاول من خلاله أن يجادل حاضره بماضيه، أو حتى يحاكمه به إن احتاج الأمر.. فشعراء العصر الحديث من السعوديين جلّهم إن لم يكن كلهم وجدوا لهم مساحة خصبة وهوية خاصة من خلال إعادة الحكاية الصحراوية القديمة إلى مجرى الكلام برؤى وانعكاسات عصرية، أقول: إذا كان الشعر فعلَ كل ذلك ونجح غالباً، فإن السرد في المقابل بأشكاله التقليدية «قصة قصيرة / رواية» قصر أو يكاد عن ذلك التاريخ الثري واكتفى دائماً بالتحوّلات الاجتماعية أو حتى الصراعات الفكرية التي مرّ بها المجتمع خلال العقود الأخيرة، ولقائلٍ أن يقول إن هذا الشأن منطقي تبعًا لطبيعة الرواية كفنٍّ مدني مقارنة بالشعر، إلا أن هذا الطابع لا يمكن أن يكون مبرراً لغياب التاريخ القديم حينما كان مدنياً في زمنه، وأجزم أن استعادة الزمان والمكان والشخوص بصورة رؤيوية قادرة من أهم ركائز العمل السردي مهما كان زمنه، وإذا كانت هذه المدنيّة التي اعتذر بها السرد قديماً لكل ذلك الغياب فلا أقلّ من أن نفاتح السينما اليوم بهذا البعد الخاص والمميز ولو على سبيل صناعة نص سينمائي مختلف ومتفرد عن تلك التي قدمتها الدراما أو السينما العربية، جلّ أساطير الصحراء كعنترة أو امرئ القيس أو طرفة بن العبد وغيرهم قُدّمت سيرهم التاريخية إما بأعمال سينمائية أو أعمال درامية، عن طريق مبدعين عرب أعادوا قراءة سيرتهم، وقدّموهم لنا كما ارتأوهم لا كما أدركنا بيئتهم وعايش خيالنا فيهم حالات الزمان في المكان، والمكان ذاكرة للزمان، وإذا كانت الصحراء منذ الأزل منا وإلينا.. بقيت فينا امتدادًا حضاريًّا حتى ونحن نختط فيها المدن والحياة فإننا كما يبدو لي نمتلك فهمها وحوارها وبلورة تاريخها بشكل مختلف ومتفرّد، لهذا أجد أننا بحاجة ماسة لكتابتها فنيّاً.. سواء على شكل أفلام سينمائية في ظل انفتاحنا عليها أخيرًا، أو حتى على شكل روايات تأخذ هويتها الخاصة من هذا الأرض حينما تجيد استنطاقها، بعد أن نجحت دائماً في استنطاق المسكوت عنه فينا، أجزم أننا نفهم تاريخ هذه الأرض أكثر من غيرنا كما أجزم يقينا أننا سنتفرّد في هذا إن فعلنا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.