مع تصاعد دور التجمعات الدولية والإقليمية في العالم، وفي إطار البحث عن عالم متعدد الأقطاب واستمرار دعوة القوى الدواية، وأهمها روسيا والصين والهند إلى عالم جديد، وتحدي وجود المؤسسات الدولية الغربية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والبحث عن نظام دولي جديد أكثر إنصافا وعدالة للقوى الكبرى المناوئة للسياسة الأميركية والنظام الرأسمالي الغربي بكل مرتكزاته وأسسه التي عمل بها منذ سنوات طويلة.
فإن السؤال المطروح هل تتأثر المنظمات الرئيسة في بنية النظام الدولي الراهن بصرف النظر عن التحركات الدولية الداعية لتغيير هذا النظام واستبداله بنظام بديل قيد التشكل في الوقت الراهن، وإنْ كان سيأخذ بعض الوقت للوصول إلى نظام حقيقي متكامل قادر على المنافسة، وطرح نفسه في ظل ما هو قائم من أطر لا تعمل بصورة اعتيادية بل عبر نظام منضبط. في ظل هذه الأجواء فان السؤال المطروح في هذا السياق، وماذا عن الأمم المتحدة كإطار أوسع للتنظيم الدولي بأكمله سياسياً واقتصادياً وعبر عشرات من المؤسسات المتخصصة التي تعمل في سياق من الخيارات، والأوضاع الصعبة واستمرار التهديدات للنظام الدولي بأكمله جراء ممارسات القوى الكبرى وبعضها أصلاً منخرط في قلب الحروب الحالية مثل روسيا العضو الدائم في مجلس الأمن، والولايات المتحدة التي مازال حضورها العسكري والاستراتيجي في مسارح عمليات عدة ما يهدد الأمن والسلام الدولي، التي عملت من خلاله الأمم المتحدة، والتي – بصرف النظر عن عجزها الراهن بسبب نظام التصويت في مجلس الأمن وتحول مجلس الأمن لغابة سياسية حقيقية – إلا أنها منعت بالفعل حدوث حرب عالمية ثالثة بل وتفاعلت مع كثير من الأزمات الدولية عبر دور متعدد المجالات، وفي بقاع مختلفة، وعبر أدوار لمبعوثي الأمين العام للأمم المتحدة، ومن خلال قوات حفظ السلام، ولكن السؤال المطروح هل ستصمد الأمم المتحدة أمام شبكات المحاور والتجمعات الصاعدة في الفترة المقبلة خاصة مع تنامي دور البريكس بعد توسعها ومجموعات السبع الصناعية، ومجموعة العشرين؟
واقعيا تواجه الأمم المتحدة خيارات صعبة وحقيقية في الاشتباك مع ما هو قادم من تطورات مفصلية في التعامل، وإلا فان الأمم المتحدة ستتحول إلى كيان مجمد غير قادر على التفاعل مع ما يجري، وفي ظل حالة من الاستقطاب الجديد، ما يؤكد أننا أمام مرحلة مختلفة من النظام الدولي تقوم على إعادة تنظيم وترتيب المصالح، والسياسات في مواجهة ما يجري حيث لا يمكن توقع أي مسار يمكن أن تفضي إليه الأمور خاصة مع ترقب الولايات المتحدة مع ما يجري من خيارات ومواقف من الجانبين الروسي والصيني، ما يؤكد أن السياسة الأميركية ستطرح البدائل والخيارات للتعامل في حال استمرار التحديات أمام النظام الدولي الراهن، ولن تقبل بزحزحة النظام النقدي الراهن، أو إعادة تشكل العالم من خلال مقاربات لا تشارك فيها.
وربما يتعلق الأمر برفض أميركي لما يمكن أن يطرح في إطار بقاء الأوضاع على ما هي عليه إلى حين اتضاح الرؤية، ولو المنقوصة، وهو ما تعمل عليه بعض الدول خاصة الكبرى، ولهذا كان التحرك الروسي الصيني في مواجهة المد الغربي الأميركي، مع إعلان التحدي لما هو قائم والبدء بخطوات تنفيذية في إطار توسيع بريكس مثلا، أو بناء تحالفات جديدة في إطار شراكات متنوعة ومتعددة في آن، ومنها ما هو قيد التشكل تجمع روسيا والصين وإيران والبرازيل والأرجنتين، ودول الآسيان، وغيرها في مقابل التحركات الأميركية في مناطق الحضور الاستراتيجي الأميركي.
في هذا الإطار، فإن الأمم المتحدة ستستمر تعمل دون فعالية حقيقية، مع الاكتفاء بدورها الرمزي المتفق عليه بين القوى الدولية الحالية، مع تبني سياسات مستجدة ستضعف لا محالة من فعالية الدور الأممي بل وتحد من تأثيراته خاصة، وأن الولايات المتحدة هي من تبنت دور تدخلي، ومباشراً دون العودة لنظام الأمم المتحدة والالتفاف على مجلس الأمن توقعا لاستخدام الصين وروسيا حق الاعتراض، وهو ما جري بالفعل ومضي في سياقه المحدد ما يشير إلى أن الولايات المتحدة ذهبت لتقر سياسة العقوبات الدولية على إيران وروسيا، والصين خارج الأمم المتحدة وقسمت العالم إلى شريحتين الأولى من يعمل وفق الاستراتيجية الأميركية وسياستها الحالية – بصرف النظر عن إيجابياتها أو سلبياتها - والثاني من يعمل ضد السياسة الأميركية، وينافسها على أرض الواقع، وهو ما جرى بالفعل في سياق من الأولويات والمهام السياسية والإستراتيجية.
وفي إشارة إلى استمرار الهيمنة الأميركية على مقاليد النظام الدولي، وفي إشارات مؤكدة على أن السياسة الأميركية ستعمل في إطار محدد يحرص على الحفاظ على المصالح الأميركية في المقام الأول، وهو ما سيكون ليس مهدداً لمصالح دول العالم الكبرى بل ولنظام الأمم المتحدة والتي ستواجه خيارات محدودة، وقد تفشل في مواجهة ما يجري من تطورات حقيقية مكلفة قد تهدد المنظمة الدولية، ونظامها الأساسي ومبادئها خاصة في إطار حفظ السلام والأمن الدوليين.
* أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.
مستقبل الأمم المتحدة والتجمعات الدولية
مواضيع ذات صلة

