: آخر تحديث

ما هي البدائل العملية للتعويض عن مضيق هرمز؟

5
5
5

عبدالرحمن الحبيب

عاجلاً أو آجلا، سينتهي إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، إنما يبدو أن الأزمة أو القلق من احتمالية إغلاقه سيستمر طالما استمر النظام الإيراني يبتزّ ويهدد بإغلاقه، لكن هذا الوضع يقدم درساً قيّماً للعالم: «رب ضارة نافعة»؛ ولا بد من وضع خطط واستكشاف مسارات بديلة للتعويض بكفاءة عند إغلاق هذا المضيق أو عرقلة حركة المرور عبره أو فرض رسوم غير قانونية لعبوره؛ فما هي البدائل الموجودة والمقترحة؟ وما التحديات التي تواجهها؟

خبير ومؤرخ الطاقة دانيال يرغن كتب: «تتكشف هذه الأزمة في عالمٍ يتمتع فيه نظام النفط والغاز العالمي بمرونة وتنوع لم يشهدهما منذ عقود.» موضحاً أن من بينها «أن المملكة العربية السعودية تُشغّل خطوط أنابيب برية تنقل النفط الخام إلى محطات التصدير على البحر الأحمر، متجاوزةً المضيق تمامًا.»

وسبق ليرجين التحذير عام 2011 في كتابه عن أن أمن الطاقة العالمي يتطلب «تعاونًا أكبر بين المنتجين والمستهلكين.. إذ تُشكل نقاط الاختناق الاستراتيجية على طول الطرق البحرية نقاط ضعف في نقل النفط والغاز الطبيعي المسال، سواءً بسبب الحوادث أو الهجمات الإرهابية أو النزاعات العسكرية. ويُعد مضيق هرمز أبرز هذه النقاط.»

قبل هذا التحذير بأربعة عقود، كانت المملكة العربية السعودية سبَّاقة وأول من أدرك الوضع بنظرة ثاقبة، لتجنب تداعيات الحرب العراقية الإيرانية وخطر تعطل الملاحة عبر المضيق من قِبل النظام الإيراني، عندما أنشأت خط أنابيب يمتد من حقل بقيق بالمنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر (بترولاين) الذي بدأ تشغيله مطلع الثمانينيات.

هذا الخط يعمل بكفاءة عالية وسعة نقل تتراوح بين 5 و7 ملايين برميل يومياً؛ ويُعد اليوم «أهمّ بنية تحتية للطاقة بالعالم»، كما صرّح خبير الطاقة عاموس هوكشتاين (زميل متميز بكلية الشؤون الدولية بجامعة كولومبيا)، إلا أنه يستدرك بأن «هذا الخطّ، حتى مع تشغيله بكامل طاقته، لا يغطي تلبية الطلب المتزايد. فهو بحاجة إلى خطوط رئيسية إضافية، ومحطات ضخّ موسّعة، وزيادة في طاقة ميناء ينبع».

هناك خط آخر بدأ تشغيله عام 2012 لكن طاقته الاستيعابية أقل (1.7 مليون برميل يوميًا)، وهو يربط أنابيب أبو ظبي للنفط الخام بدولة الإمارات العربية المتحدة بميناء الفجيرة على خليج عُمان (أدكوب)، متجاوزًا مضيق هرمز.

«لقد أظهرت السعودية والإمارات بالفعل بُعد نظرٍ استثنائيّا، فمشروعا بترولاين وأدكوب قائمان بفضل استثمارات طويلة الأجل قامت بها حكومتاهما لمواجهة مخاطر لم تكن الأسواق لتُغطّيها» كما كتب هوكشتاين موضحاً أن على الدول القيام باستثمارات مماثلة ذات رؤية مستقبلية (مجلة أتلانتيك، أبريل 2026).

هذه الرؤى المستقبلية، ستفرض التفكير في بناء خطوط أنابيب جديدة، مثل اقتراح مشروع يربط الخليج العربي ببحر العرب مرورًا بالمملكة العربية السعودية واليمن، ويقدر طوله بنحو 950 كم. كذلك توسعة الموجود، وإعادة تأهيل المتهالك مثل خط أنابيب العراق-تركيا (كركوك-جيهان)، وينقل النفط الخام إلى البحر الأبيض المتوسط، ولكنه قديم، وسعته أقل بكثير من المطلوب، وإدارته تعاني من انقسامات سياسية، وفقاً لهوكشتاين.

إنما المتاح حالياً لا يغطي النقص المُقدّر بنحو 13 مليون برميل يوميًا، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن إعادة رسم مسارات الإمداد ستخلق واقعاً جديداً في آسيا، مع توقع زيادة حصة منتجي حوض الأطلسي والمنتجين الأمريكيين، رغم أن الشحنات من هذه المناطق قد تستغرق أكثر من 40 يومًا للوصول إلى آسيا، مما يرفع تكاليف الشحن، إلا أن هذا التحول يبدو حتميًا وفقاً للوكالة؛ فزيادة المسافة تُعد من أكبر التحديات التي ستواجه الخطط المستقبلية.

ومن بين الحلول الجزئية التي انبثقت من أزمة إغلاق المضيق، تغيير في نمط استهلاك الطاقة، فمثلاً اعتمدت حكومات سريلانكا وتايلاند وباكستان نظام العمل لأربعة أيام أسبوعيًا لترشيد استهلاك الطاقة، وستحذو حذوها دول أخرى وفقاً لهوكشتاين. كما أن معدل العمل عن بعد زاد في العديد من الدول.

ثمة تحول آخر، فقد اضطرت عدة دول إلى استخدام الفحم فهو أكثر أنواع الوقود الأحفوري وفرةً وسهولة في الوصول، لكنه أكثرها تلويثاً للبيئة، إنما هذا حل مؤقت لأنه سيواجه معارضة دولية بسبب تعارضه مع متطلبات مكافحة تغيّر المناخ.

على نقيض الفحم، تأتي الطاقة النظيفة المتجددة من مصادر طبيعية مثل الشمس والرياح، لكنها لا تغطي إلا نسبة قليلة من احتياجات العالم للطاقة، وتحتاج مزيد من الوقت لتطويرها وخفض تكاليفها.

بقي الإشارة إلى أن العالم لا يعاني من نقص في النفط الخام فقط، بل يعاني أيضاً من نقص في المنتجات البترولية المكررة، كما يذكر الخبراء، فخطوط أنابيب النفط الخام لا تنقل الديزل أو وقود الطائرات، والأسمدة التي يعتمد عليها المزارعون لإطعام مليارات البشر، والبتروكيماويات التي تدعم التصنيع الحديث.. هذه المنتجات تتطلّب بنية تحتية خاصة بها تُبنى بالتوازي مع توسيع شبكة خطوط أنابيب النفط الخام.

الخلاصة، الحل الوحيد طويل الأمد يكمن في إنشاء بُنى تحتية جديدة، من خلال استثمارات ضخمة ومنسقة دوليًا في ممرات طاقة تتجاوز مضيق هرمز.. فعندما تنتهي الأزمة، ستُفتح فرص نادرة لبناء مسارات جديدة، والحاجة أم الاختراع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد