في مقال سابق، طُرحت سؤالا افتراضيا: ماذا لو جاءت أزمات اليوم قبل إطلاق رؤية 2030؟ وكانت الإجابة تشير بوضوح إلى أن ما تحقق خلال السنوات الماضية لم يكن موجّهًا لتحقيق النمو فقط، بل لبناء اقتصاد قادر على التعامل مع الصدمات قبل وقوعها، وتقليل أثرها عند حدوثها.
اليوم، ومع دخول المنطقة مرحلة تهدئة بين أطراف دولية وإقليمية، قد يبدو المشهد وكأنه يتجه نحو الاستقرار. إلا أن القراءة الأكثر عمقًا تشير إلى أن هذه المرحلة لا تمثل نهاية للأزمة، بقدر ما تكشف عن طبيعة التوازن القائم في المنطقة، وتُظهر بوضوح الفارق بين من يتأثر بالأحداث، ومن يستمر خلالها بثبات.
فالأسواق لا تعود إلى ما كانت عليه بمجرد توقف التوتر، بل تعيد تقييم المخاطر بناءً على ما حدث. ويظهر ذلك بوضوح في أسواق الطاقة، حيث يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20 % من إمدادات النفط العالمية. ورغم أن المضيق لم يُغلق فعليًا، إلا أن مجرد التهديد بتعطيله كان كافيًا لتغيير طريقة النظر إليه، فلم يعد يُقاس فقط بكفاءته كممر، بل بموثوقيته في أوقات الضغط.
هذا التحول لم يفرض تغييرًا على جميع الدول بالدرجة نفسها، بل كشف الفارق بين نماذج اقتصادية مختلفة. فالدول التي تعتمد على مسار واحد تصبح أكثر عرضة للتقلبات، بينما الدول التي بنت خيارات متعددة مسبقًا تمتلك قدرة أكبر على الاستمرار دون أن تضطر لتغيير اتجاهها.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة موقع المملكة على أنه استجابة للمتغيرات، بل كامتداد لمسار تم بناؤه على مدى سنوات. فالتحولات التي شهدها الاقتصاد السعودي، سواء في تنويع مصادر الدخل أو في تطوير البنية التحتية وسلاسل الإمداد، لم تكن قرارات ظرفية، بل جزءًا من رؤية استراتيجية هدفت إلى تقليل الاعتماد على عامل واحد، وتعزيز القدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات.
وقد ظهر أثر هذا التوجه بوضوح في مواقف سابقة، أبرزها ما حدث في عام 2019 عند استهداف منشآت أرامكو، حيث توقّع كثيرون أن يؤدي ذلك إلى اضطراب كبير في الإمدادات، إلا أن الاستجابة السريعة واستمرارية التدفق عكستا وجود منظومة قادرة على العمل حتى في الظروف الاستثنائية.
اليوم، تتكرر أهمية هذا النموذج في سياق مختلف. فوجود مسارات بديلة لتصدير الطاقة، مثل خط شرق - غرب، وشبكة موانئ ممتدة على الخليج العربي والبحر الأحمر، وبنية لوجستية متكاملة، لم يعد يُنظر إليه كميزة إضافية، بل كأحد عناصر الاستقرار الأساسية. هذه المنظومة لا تقتصر أهميتها على الاقتصاد المحلي، بل تسهم في استقرار الأسواق العالمية، وهو ما يعزز موقع المملكة كعنصر توازن في منطقة يرتبط استقرارها باستقرار الاقتصاد الدولي.
وفي مرحلة التهدئة الحالية، لا يُعاد تشكيل التوازن نتيجة تحركات آنية، بل يظهر انعكاس لما تم بناؤه مسبقًا. فالتوازن اليوم لا يُقاس فقط بالقوة السياسية أو حجم الموارد، بل بقدرة الدول على الحفاظ على استمرارية هذه الموارد، وتأمين تدفقها في مختلف الظروف. وهذا ما يميز الاقتصادات التي تستمر في مسارها، عن تلك التي تضطر إلى إعادة التموضع عند كل تغير.
بالنسبة للمواطن، قد لا تبدو هذه التحولات واضحة في تفاصيلها، لكنه يلمس نتائجها في استقرار الإمدادات، واستمرارية الحياة اليومية، وعدم تحوّل الأزمات العالمية إلى ضغوط مباشرة على الواقع الداخلي. وهذا بحد ذاته يعكس الفرق بين اقتصاد يتأثر بالأزمات، واقتصاد تم بناؤه ليعمل خلالها.
ما تكشفه هذه المرحلة ليس تغيرًا في مسار المملكة، بل تأكيدًا عليه. فالدول التي تبني استراتيجياتها على المدى البعيد لا تغيّر اتجاهها مع كل أزمة، بل تستمر وفق رؤيتها، حتى عندما تتغير الظروف من حولها.
وفي عالم يتسم بالتقلب، لا يُقاس التوازن بمن يتفاعل مع الأزمات، بل بمن يملك القدرة على الاستمرار خلالها دون أن يغيّر مساره. وما يظهر اليوم في المنطقة، ليس نتيجة تغير في الاتجاهات، بل نتيجة وضوحها منذ البداية.

