: آخر تحديث

تجرّع الكأس نفسها

28
29
32
مواضيع ذات صلة

من حق الاتحاد الأوروبي أن يدين القرار الذي اتخذه العسكر الذين استولوا مؤخراً على السلطة في النيجر، بحظرهم لبث محطة «فرانس 24» و«إذاعة فرنسا الدولية» على أراضيها، في مسار التوتر الناشئ بين هؤلاء العساكر وباريس خاصة، والغرب عامة، وفكرة حظر وسائل الإعلام، في عصرنا الراهن، عصر المعلومات وشبكات التواصل، فكرة عقيمة، وتنتسب إلى الماضي، ونتفق تماماً مع ما قالته المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي بأن «هذه الخطوة انتهاك خطِر للحق في المعلومات وحرية التعبير».

ولكن هذا الغرب نفسه، وفرنسا ضمنه، تجاهلوا أنهم قاموا بالشيء نفسه، حين حظروا جميع وسائل الإعلام الروسية في بلدانهم بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، بما فيها المواقع الإلكترونية، ومن ضمنها وكالة «سبوتنيك»، وشبكة «آر. تي»، باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية على شبكات التلفزة والإنترنت، على خلفية حرب أوكرانيا، وكأن القدر أراد لهم أن يتجرعوا، ولو القليل، من ذات الكأس التي سقوها لروسيا، وهو تعبير سمعته على لسان محلل أبعد ما يكون عن التعاطف مع الموقف الروسي.

كيف يصبح حظر عساكر النيجر للإعلام الفرنسي انتهاكاً لحرية الرأي وتدفق المعلومات، وهو كذلك بالفعل، وحظر وسائل الإعلام الروسية عملاً مشروعاً وضرورياً وصحيحاً، لمنع «الأكاذيب» الإعلامية؟ هل فعلاً الغرب غير واثق من قدرة جمهوره على التمييز بين ما يقدّمه هو عن وجهة نظر فيما يحسبه عدواناً روسياً على أوكرانيا، وبين ما يسوقه الإعلام الروسي من تبريرات، فوجد الحل في حجب هذه المواقع، ويخشى على أهل النيجر أن يصدقوا ما يقوله العساكر الذين استولوا على السلطة، فقط لأنهم حظروا بث القنوات الفرنسية التي هي وحدها من تقول «الحقيقة»؟

ما دمنا أتينا على هذه المقارنة، فلا بأس من العودة قليلاً إلى الماضي غير البعيد، إلى زمن الحرب الباردة، حين كانت شيطنة كل ما هو روسي وسوفييتي، ليست مهمة وسائل الإعلام الغربية، خاصة الأمريكية منها وحدها، وإنما اضطلعت بها «هوليوود» أيضاً بدرجة أساسية، ووفق تقرير نشرته «بي. بي. سي»، ليس اليوم وإنما قبل عشر سنوات، ونحن نعلم أنها إحدى أهم الأدوات الإعلامية الغربية، غير المتعاطفة مع موسكو، وصفت فيه، وعلى لسان أحد محرريها، اسمه توم بروك، صورة الروس في سينما «هوليودد»، بالقول التالي: «سادية عميل سابق في المخابرات الروسية «كيه جي بي» في فيلم «المنتقمون»، إلى الروس الأشرار في فيلم الإثارة «يوم مناسب لموت قاسي»، تجد الكثير من الأوغاد الروس الذين يظهرون على الشاشة في الآونة الأخيرة»، والمدهش أن سقوط جدار برلين لم يضع حداً لصورة (الروسي الوغد) في السينما الأمريكية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد