: آخر تحديث

بدايات ما بعد عالم الغرب

11
13
15
مواضيع ذات صلة

يلاحظ في الوقت الحالي انتقال تركيز المختصين بشؤون الحرب والسياسة، والذي يدور حول أوكرانيا، إلى محاولة رسم ملامح أساسية لنظام العلاقات الدولية الذي راحت تظهر له ملامح أولية، لما بعد حرب أوكرانيا.

 هؤلاء الخبراء يرسمون صورة مختلفة لنظام العلاقات الدولية بشكل عام، على ضوء مراجعة المسارات التاريخية لهذه العلاقات، مع رؤية معاصرة للحاضر والمستقبل.

 ربما تكون الرؤية التي شغلت الكثيرين في مراكز الدراسات، ووسائل الإعلام، الصحف الكبرى، ومنها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية – والتي ترجمت إلى الإنجليزية، تلك الرؤية التي طرحها من البرازيل الكاتب أوليفر ستوينكل بعنوان «عصر ما بعد عالم الغرب»، ويقول: «نقف الآن عند منعطف تحول تاريخي، بعيداً عن الغرب، ومتجهاً نحو آسيا».

 ويضيف إلى تلك الرؤية البروفسور غراهام أليسون بجامعة هارفارد بقوله «إن الألفية السابقة كانت فيها أوربا هي مركز العالم. وفي تلك العصور أسهمت حضارات لشعوب أخرى في إثراء الغرب، من حيث اعتماده على معارف تلك الحضارات في تعظيم قدراته العلمية، ومن بينها الصين، والعالم الإسلامي».

 لكن الذي حدث أن نظرة الغرب للدول غير الغربية، قللت من التقدير لها، ليس فقط للدور الذي سبق أن لعبته في الماضي، بل أيضاً للدور الذي بدأت تلعبه، بطرح رؤية خاصة لها، فيما يتعلق بالتعامل مع الأزمات السياسية المعاصرة، وفي وقت تتهيأ فيه تلك الدول ليكون لها دور إيجابي مستقبلاً.

 ثم يضيف البروفسور أليسون بأن هيكلة النظام الدولي القادم لن تكون قاصرة على دور الصين وحدها، بل أيضاً لأدوار آخرين بدأ يتضح أن لديهم امتلاكاً لأفكار ورؤى جديدة حول كيفية العامل مع التحديات التي يعانيها العالم.

 تلك النقطة لمسها البرازيلي أوليفر ستوينكل بمقولة عن التحول التاريخي يوم تتجاوز فيه الصين، الوضع العالمي الحالي للولايات المتحدة، لتكون صاحبة أكبر اقتصاد في العالم. عندئذ سيفقد الغرب قدراته المتميزة التي تتيح له وضع الأجندة التي تحكم مسارات الأوضاع على مستوى العالم، وحيث إن مستقبل النظام الدولي لم يعد متاحاً له أن يكون تحت حكم الغرب.

 وحسب وجهة نظر البروفسور جراهام أليسون، فإن هيكلة النظام الدولي القادم ليست قاصرة على صعود دور الصين وحدها؛ بل ستكون هناك أيضاً أدوار لآخرين وهم الذين ظهر لديهم امتلاك أفكار جديدة، للخروج من المأزق الذي يعيشه العالم جراء الأزمة حول أوكرانيا، وهي ليست مقيدة بحسابات القوى الكبرى.

 في معترك هذا الإبحار في عمق الأوضاع الدولية الراهنة، من خبراء عديدين، تأتي مقولة البروفسور أندريه ماكارشيف أستاذ الدراسات الإقليمية والدولية في ستوكهولم، الذي قال إن الحرب الأوكرانية أظهرت أن النزاع الذي نعيش أجواؤه اليوم هو أساساً نزاع بين فلسفتين مختلفتين حول أحقية كل منهما بأن يكون لها دور مؤثر في العلاقات الدولية.

 أغلب هذه الآراء، لم تكن نظرتها بعيدة عن منطقة الشرق الوسط، والتي نالت قدراً ليس هيناً من توقعاتهم. فمثلاً ورد في مطبوعة «Cepri Journal» تحت عنوان «صدى حرب أوكرانيا في الشرق الأوسط»، القول بأن حرب أوكرانيا أحدثت آثاراً تدميرية على الشكل الحالي للسياسات العالمية في صورتها الحالية. وإن تلك الآثار انعكست أيضاً على الشرق الأوسط، بصورة مباشرة وغير مباشرة، خاصة على دول المنطقة، والنخبة، والشعوب بشكل عام. وإن أهمية هذه المنطقة مرتبطة كذلك بجغرافيتها السياسية، التي تجعلها سريعة التأثر بالتغييرات الجوهرية في السياسات العالمية.

 والملاحظ أن تلك الآراء التي اقتربت من مقولة «عصر ما بعد عالم الغرب»، قد لمست بصورة خاصة رد فعل دول الشرق الأوسط وشعوبها، فيما يتعلق بتقييمها للمواقف التي اتخذتها القوى المتنازعة حول أوكرانيا، وعدم مرونتها من أجل إيجاد حل نهائي وحاسم للأزمة. وأن هذا التقييم الذي يرى إمكانية بلوغ هذا الحل، في حالة تطبيق القواعد السياسية والقانونية التي اتبعت في التعامل بها مع أزمات وحروب من قبل، قد دخل ضمن مقولات لكثير من الخبراء المختصين عن تحول تاريخي بعيداً عن الغرب. ومتجهاً بشكل عام ناحية آسيا.

 ثم إن هذه الآراء قد أفردت مساحات في تشخيصها العام، لمنطقة الشرق الأوسط، مشيرة إلى هويتها القومية، التي بدأت تتكون على أساسها توجهات تكاملية لعدد من دول المنطقة، تجاه شؤونها كدول، وتجاه تعاملها مع التحولات الجارية والمستقبلية للسياسات العالمية.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد