: آخر تحديث

سياحة ابن بطوطة وسياحة اليوم

8
6
8
مواضيع ذات صلة

خرج ابن بطوطة من مراكش فوصل إلى الصين وقضى في ذلك نحو 20 سنة، فعرف الدنيا في عصره كما لا يعرفها آخر، أما نحن فنطير هذه المسافة في يوم أو يومين فلا نزداد علماً، ولا نجد الفرصة للخلوة أو المقارنة بين قيمنا وقيم شعوب البلدان التي نزورها. كان ابن بطوطة يسيح بالسفينة والجواد والجمل وكان يقيم السنة أو السنتين في الهند أو الصين أو آسيا الوسطى، أما نحن فنسيح بالطائرة ولا نقيم إلا ساعات.

صاحب هذه الأقوال التي لم ننقلها حرفياً، وإنما نقلنا معناها هو سلامة موسى، في مقال له عن السياحة خصصه للمقارنة بين سياحة الأمس وسياحة اليوم، ولسنا على يقين أن ما قام به ابن بطوطة كان محض سياحة فقط، فلعله كان شغفاً بمعرفة العالم والتعرف إلى ثقافات وعادات ما فيه من شعوب وأقوام، ولكي يحقق مبتغاه، فإنه تحمل مشقات وصعاب، فلم يكن تجواله بين البلدان ميسر الأحوال في جميع الحالات، وهذا ما لا طاقة لسائح اليوم أن يتحمله وهو يبحث في السفر عن المتعة والراحة لا عن المشقة.

ولكي ننصف سلامة موسى وجب القول إنه استهل مقاله المشار إليه بالحديث عن «حاجة الكاتب والمفكر والصحفي والفيلسوف إلى أن يتركوا بلادهم من وقت لآخر، وينتقلوا من الوسط المحيط بهم إلى وسط آخر يجدون فيه عادات تستحق التفكير والاتخاذ»، كأن موسى بهذا قد يكون حصر حديثه في سفر فئة من الناس لهم اهتمامات بالفكر والأدب، لا عن السفر عامة الذي يقبل عليه الكثيرون من أجل كسر روتين حياتهم وتجديد طاقاتهم.

لذلك نجد سلامة موسى يضرب مثلاً بنفسه حين قال إنه ليؤثر أن يبقى شهراً كاملاً في قرية أو مدينة يتعرف خلاله إلى بعض سكانها، ويطعم بطعامها، ويتلبث في النظر إلى مشاهدها، ويسهر لياليها، ويستيقظ مبكراً يسير في طرقاتها على أن يطير إلى عدة عواصم أوروبية يقيم في فنادقها الكبرى، فيقضي في كل واحدة منها ثلاثة أو أربعة أيام، يعود منها خالي الوفاض لأنه لم يتعرّف إليها كما ينبغي.

ولعله لخص ما يراه حين قال: «يجب أن نسيح فنقيم ولا نعبر، ونتلبث ولا نتعجل، ونعبّ من المكان الواحد ولا نحتسي من الأماكن العشرة، ونترك عقلية الطائرة والساعة، ونعود إلى عقلية السفينة».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد