تعرف الأمور بنهاياتها. هذا صحيح تماماً، فقد نحسب في أمر ما، وهو لما يزل في بداياته، شيئاً، ليفاجئنا بالنقيض في نهايته، ولكن صحيح أيضاً أن الأمور تعرف ببداياتها، فلكي نفهم، بصورة صحيحة، ظاهرة من الظواهر يجب أن نعود إلى مقدماتها وظروف نشأتها.
وها نحن أمام مثال واضح على ما تفصح عنه البدايات والنهايات معاً، هو مثال ما تتخذه حركة «طالبان» في أفغانستان من تدابير وتعلن عنه من قرارات تنال من حقوق المرأة، وفي مقدمتها حقها في التعليم والعمل، والتي أثارت وتثير احتجاجات دولية واسعة، ومناشدات لطالبان بالعودة عما أعلنت عنه وباشرت في تنفيذه.
حين استوت حركة «طالبان» إلى الحكم مجدداً، بعد تسوية توصلت إليها مع الجانب الأمريكي في نتيجة محادثات استمرت طويلاً، نصّت على انسحاب القوات الأمريكية والأطلسية من أفغانستان وتسليم السلطة لها، قطعت «طالبان» على نفسها عهداً بأنها ستلتزم بالقواعد المرعية دولياً، لا بالتخلي عن دعم الجماعات الإرهابية، أو جعل أفغانستان لها ملاذاً فقط، وإنما أيضاً بمراعاة حقوق الإنسان، وفي المقدمة حقوق المرأة. شهور قليلة فقط مرّت منذ أن استأثرت «طالبان» بالسلطة، حتى نكصت بوعودها واتخذت ما اتخذت من قرارات بحظر عمل النساء في المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية وحرمانهن من التعليم الجامعي.
مرة أخرى نقول لا تعرف الأمور بنهاياتها فقط، وإنما أيضاً ببداياتها، وهذا يقتضي تقصي الظروف التي أدت إلى نشوء «طالبان» واشتداد عودها، وتوسع نفوذها في أرجاء أفغانستان، ونجاحها في إقصاء منافسيها من الجماعات الإسلامية المسلحة الأخرى، وهذا بدوره لن يكون كافياً ما لم ننظر إلى أبعد، حين اهتمّ الغرب بتشكيل وتسليح الجماعات المتطرفة في أفغانستان، لمواجهة الوجود السوفييتي فيها، فترة اشتداد وتيرة الحرب الباردة على الصعيد الدولي.
لم يكن الغرب يومها معنياً بطبيعة البرنامج الاجتماعي المتزمت والمتشدد في العلاقة مع كل ما هو حديث، بما في ذلك الموقف من المرأة ومن حقوقها، بمقدار ما كان معنيّاً بهزيمة خصومه السوفييت على الأرض الأفغانية، وهذا ما نجح فيه على كل حال، بطريقة ربما تكون قد ساهمت في انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه بصورة أو بأخرى.
ما أكثر ما ينقلب السحر على الساحر، وهذا ما حدث حين تحوّل من حاربوا السوفييت إلى محاربين للأمريكان، ولن نسهب أكثر فبقية الحكاية معروفة لدى الجميع.

