نحن الآن في ذروة الصيف. في بلدان الخليج يطلقون على ما نحن فيه حالياً: «جمرة القيظ» في إشارة إلى شدّة الحرارة. لسنا وحدنا في العالم من نعيش الجو مرتفع الحرارة، حتى أوروبا، تعاني منه، والحديث يدورعن وفيات كثيرة في عدة بلدان أوروبية بسبب موجة الحر. مع ذلك، فإن الصيف إلى انتهاء بعد حين لن يطول. سيليه خريف تتساقط فيه أشجار الغابات بعد أن تصفر في البلدان التي تعرف مثل هذه الغابات، ويلي الخريف الشتاء، ببرودته وثلوجه وصقيعه.
أما كيف يصبح الصقيع جنرالاً، ونحن نعلم أن الجنرال رتبة عسكرية متقدمة في الجيوش، فلذلك حكاية تعود إلى غزو الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت لروسيا في العام 1812، حيث دفع بجيش كبير قوامه 600 ألف رجل، ولكن هذا الجيش اضطر إلى التراجع بعد أن لقي أكثر من 400 ألف جندي فرنسي حتفهم، وغالبية هؤلاء لم يموتوا برصاص المقاومة الروسية لهم، وإنما بسبب الصقيع والجوع، ومن يومها دخلت القاموس مفردة «الجنرال الصقيع»، في إشارة إلى قدرة هذا الجنرال في إلحاق الهزيمة بمن يقوم بغزو روسيا، ويقال إن جيش هتلر واجه الأمر نفسه حين غزا أراضي روسية في الحرب العالمية الثانية.
لم يكن قوام الجيش الروسي، حين دفع نابليون بقواته إلى روسيا، يتجاوز نصف قوة الجيش الفرنسي، ولم يكن يعرف في البداية ما إذا كان هدف بونابرت موسكو أم سان بطرسبرغ، فتبنت القوات الروسية سياسة التراجع الاستراتيجي حيث استفزت الغزاة لكنها رفضت الانخراط في معركة ضارية، وبعد أسبوع واحد دخل نابليون موسكو، ورغم إلحاح الجنرالات الروس على ضرورة الاشتباك مع الفرنسيين، إلا أن قائد الجيش ميخائيل كوتوزوف رفض ذلك، معوّلاً على أمر آخر. وبالفعل، عندما اجتاحت العاصفة الثلجية الأولى الجيش، وأعقبها ذوبان الجليد والصقيع تتالت الخسائر الفادحة في صفوف جيش نابليون، فبعد أن أحاط به الجليد، أخذ الجيش الفرنسي ينسحب ، وسط قسوة المناخ، حيث كان الجنود الفرنسيون يفتقرون للملابس الدافئة ، وما إن بدأت الحرارة تهبط إلى 30 درجة تحت الصفر حتى بدأ الرجال يتجمدون.
نعود إلى هذه الوقائع ونحن نقرأ أن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي يخشى أن تستخدم روسيا تكتيك «الجنرال الصقيع» لكسر الوحدة الأوروبية تجاه المسألة الأوكرانية، فبرودة الطقس القادمة قد تجبر أوروبا على تقديم تنازلات لموسكو في مسألة العقوبات والأسلحة إلى كييف، مقابل الغاز الروسي. وقد دعا صحفي أوروبي زيلينسكي إلى إدراك أن الأوروبيين سيفقدون صبرهم تدريجياً ويتوقفون عن الاهتمام بمناشداته.
الجنرال الصقيع
مواضيع ذات صلة

