: آخر تحديث

كيفَ نَعرِف مُخططات الأعداء؟

8
9
12
مواضيع ذات صلة

تاريخياً، المنطقة العربية الممتدة محل استهداف مباشر أو غير مباشر من قوى الاستعمار الإقليمية والعالمية حتى أنها وقعت تحت الاحتلال التركي العثماني قرابة الستة قرون -وشاركها هذا الاحتلال البغيض قوى أوروبية عديدة- استُنزف خلالها الوطن العربي استنزافاً عظيماً أفقده الكثير من الموارد والقدرات.

ونتيجة لتطورات السياسة الدولية ومتغيراتها بعد الحرب العالمية الأولى وعلى رأس ذلك بداية تراجع مكانة أوروبا العالمية لحساب الولايات المتحدة، بدأت المنطقة العربية تدريجياً تنال استقلالها حتى تمكنت بداية - ست دول - من تأسيس منظمة دولية إقليمية عام 1945م تحت اسم "جامعة الدول العربية" لتكون نواة تمثل جميع الدول العربية الاثنين والعشرين.

وبما أن المنطقة العربية المُمتدة تتمتع بموقع جغرافي واستراتيجي بين قارات العالم، وتكتنز صحاريها الشاسعة وكثبانها الرملية الجبَّارة ثروات وموارد طبيعية عظيمة تعتبر المحرك الرئيس للصناعات الدولية واقتصاديات العالم، وتقود شعوبها العربية حضارة إسلامية تُشجع على التفوق والعِزة والعِلم وترفض الذل والمهانة والانقياد، فإنها ستظل في المستقبل -كما كانت في الماضي- محلاً للأطماع الاستعمارية المُتطلعة للسيطرة على المنطقة العربية للتحكم بالممرات المائية والجوية، ولسرقة خيراتها وثرواتها الطبيعية العظيمة، ولتُحييد أسباب عزتها وقوتها وكل ما يقود لعودتها وتفوقها في المستقبل.

فإذا أيقنَّا بأن المنطقة العربية هدف رئيس لقوى الاستعمار الإقليمية والعالمية، وإذا أيقنَّا بأن قوى الاستعمار الإقليمية والعالمية -كما كانت في الماضي- تسعى لتعزيز قدراتها ومواردها ومد نفوذها وهيمنتها الإقليمية والعالمية، فإنه من الأولى أن تعمل المنطقة العربية بِجِد لمعرفة مُخططات أعدائهم لتفادي الوقوع مرة أخرى تحت الاحتلال.

وهنا يبرز التساؤل المهم، وهو: كيف يمكن معرفة مُخططات الأعداء أو قوى الاستعمار الإقليمية والعالمية تجاه المنطقة العربية، أو أي منطقة في العالم؟ وهنا قد يتبادر للبعض بأن الإجابة عن هذا التساؤل سهلة يسيرة حيث إن معرفة هذه المخططات وجمع المعلومات حولها تقوم به الأجهزة المعنية بالطرق والأساليب التي تعمل وفقاً لها سواءً معلنة أو غير معلنة.

وعلى الرغم من صحة هذه الإجابة الأولية وما تتضمنه من إشارات لأعمال غاية في الأهمية والتعقيد، إلا أن هناك أدوات وأساليب وطرقا أكثر يُسراً وسهولة ووضوحاً ومباشرة، وأقل تكلفة، وبعيدة تماماً عن الحساسية لأنها تعتمد على مصادر معلومات مُعلنة ومُتاحة أمام العالم أجمع والتي تتمثل في المؤتمرات والندوات وورش العمل التي تُقام وتُنظم في دول الاستعمار العالمية، أو تلك التي يُشارك فيها رموز فكرية وعملية وسياسية من تلك الدول المتطلعة لتعزيز نفوذها ومكانتها الإقليمية والعالمية.

قد تكون هذه الإجابة الأولية ليست مُقنعة للبعض لأنهم يعتقدون أنه من المستحيل أن تُعلن الدول عن مُخططاتها الاستعمارية في المؤتمرات والندوات وورش العمل الفكرية والعلمية، ولكن أحداث التاريخ ووقائع الحاضر أثبتت عكس ذلك حيث إن قوى الاستعمار تُعلن صراحة مُخططاتها التوسعية بطرق وأساليب عدة عبر هذه المنصات الفكرية والعلمية.

إن أهمية المؤتمرات والندوات وورش العمل الفكرية والعلمية التي تقيمها وتنظمها قوى الاستعمار الإقليمية والعالمية أنها ومن خلال الأوراق الفكرية والعلمية المُقدمة للنقاش والعرض: أولاً: تَطرح قضية أو قضايا تم الاتفاق على أهميتها لتعزيز نفوذ الدولة، ثانياً: تُعلن عن الأهداف والغايات التي تتطلع الدولة أو الدول لتحقيقها على مدى محدد، ثالثاً: تُعرض الاستراتيجية أو الاستراتيجيات المقترحة للوصول للأهداف المنشودة للدولة، رابعاً: تناقش الأساليب والأدوات والطرق التي يمكن من خلالها تحقيق الأهداف والغايات، خامساً: تُناقش النتائج المتوقعة للأهداف والخطط والاستراتيجيات الموضوعة محل البحث، سادساً: تُدعى نخبة فكرية وعلمية مُتمكنة في مجالاتها ومتنوعة في جنسياتها لتعميق مستوى المُناقشة، ولتجويد مستوى آليات العمل، ولتصحيح وتمتين مسارات الاستراتيجيات المقترحة، سابعاً: يُدعى أصحاب الطروحات الفكرية والعلمية الهادفة لتعزيز نفوذ دولتهم أو دولهم لعرض أفكارهم وطروحاتهم العلمية أمام العالم أجمع من خلال المؤتمرات والندوات وورش العمل.

إن الذي يميز قوى الاستعمار -الإقليمية والعالمية- أن خططها التوسعية واستراتيجياتها الاستعمارية، ليست سِرية إطلاقاً، وإنما مُعلنة أمام العالم أجمع من خلال الأوراق والطروحات الفكرية والعلمية التي يتم طرحها وعرضها ومناقشتها في المؤتمرات والندوات وورش العمل، وأن أصحاب تلك الأوراق والطروحات الفكرية والعلمية المُميزة سيُشرفون على تنفيذها لتضمن تلك الدولة تحقيق الأهداف والغايات المنشودة والاستراتيجيات المُعتمدة بالشكل الصحيح.

فإذا كانت الأهداف والغايات والاستراتيجيات مُعلنة، فما الذي تبقى لفهم مُخططات قوى الاستعمار الإقليمية والعالمية؟ إن الذي تبقى هو فقط القراءة الصحيحة لما يتم طرحه وعرضه ومناقشته أمام العالم أجمع في تلك المؤتمرات والندوات وورش العمل الفكرية والعلمية، وعندها لن نحتاج لمزيد من الوسائل والطرق والأساليب، ولن نفاجأ بالنتائج عندما تحدث على أرض الواقع.

وفي الوقت الذي قد يرى فيه البعض صعوبة التحقق من هذا القول، فإن نظرة بسيطة على كيفية احتلال وسرقة أرض فلسطين تُساعد على توضيح الغاية من هذا الطرح. ففي أغسطس 1897م دعا ثيودور هرتزل لعقد "المؤتمر الصهيوني الأول" في مدينة بازل بسويسرا بغرض إقامة وطني قومي لليهود في فلسطين.

ولأجل تحقيق ذلك الهدف، وضعت الاستراتيجيات ومنها تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وإقامة المستعمرات في فلسطين، وتشكيل المنظمة الصهيونية العالمية، والحصول على دعم وتأييد القوى الدولية الرئيسة في ذلك الوقت. وكنتيجة طبيعية لمتانة وعمق تلك الاستراتيجية الصهيونية بعيدة المدى، تمكن الصهاينة من الحصول على دعم وتأييد علني من بريطانيا العظمى حيث أصدر وزير الخارجية البريطاني بلفور، في نوفمبر 1917م، وعداً رسمياً باسم بريطانيا العظمى يتعهد فيه بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وهذا الذي تحقق على أرض فلسطين عام 1948م.

لقد كان ذلك المؤتمر الصهيوني مُعلناً، وأهدافه وغاياته مُعلنة، واستراتيجياته المعتمدة نوقشت وأعلنت للعالم أجمع، والحصول على الدعم البريطاني مُعلناً، وهنا قد يرى البعض أن ذلك حدث قبل استقلال ونشأة الدول العربية، وأنه لن يحدث لو كان في وقتنا الراهن، إلا أن الأمثلة على هذه المُخططات الاستعمارية تكررت على مدار العقود الماضية، ومن تلك الأمثلة المُعلنة للعالم أجمع مُخططات الخُميني الطائفية التي تحظى بدعم دولي كبير، ومشروع الشرق الأوسط الكبير بأهدافه التدميرية المتشعبة، ومشروع الفوضى الخلاقة بغاياته التخريبية المتعددة.

وفي الختام من الأهمية القول إن النَّواة الحقيقية التي تنطلق منها خُطط واستراتيجيات قوى الاستعمار لتعزيز نفوذها الإقليمي والعالمي إنما تبدأ من المؤتمرات والندوات وورش العمل، وما يطرحه المشاركون من أصحاب الفكر والعلم. فإن أحسنت المنطقة العربية قراءة ما يتم طرحه قراءة عميقة ودقيقة وتحليلية غايتها تحقيق المصلحة العليا، فإنها قادرة -ليس فقط على تجاوز التحديات الصعبة والمؤامرات التدميرية والمُخططات الاستعمارية- وإنما ستُعزز من مكانتها الإقليمية والعالمية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد