: آخر تحديث
تبعًا لإقالة وزير الاقتصاد والمالية محمد بوسعيد

المشاركون في استطلاع "إيلاف المغرب" يعارضون الإفلات من المحاسبة

55
63
60

الرباط: توزعت الإجابات على سؤال استطلاع "إيلاف المغرب" بخصوص ما إذا كانت إقالة وزير المالية والاقتصاد السابق، محمد بوسعيد، كافية في حد ذاتها دون الحاجة إلى إخضاعه للمساءلة السياسية، وإذا لزم الأمر المساءلة القانونية، عن تقصير محتمل يكون قد ارتكبه خلال وجوده على رأس أهم الوزارات؟

عبر أكثر من نصف العينة عن معارضتهم الاقتصار على الإقالة وإخلاء سبيل المسؤول الحكومي، دون معرفة الملابسات والأخطاء الجسيمة أو الخفايا التي أملت اتخاذ القرار المباغت لصاحبه وللطبقة السياسية.

وفي رأي العينة الغالبة كان من الأنسب تطبيق مبدأ المحاسبة والشفافية ليعرف الرأي العام تناسب العقاب مع الخطأ؛ بينما وافق حوالي 28 في المائة على قرار الإقالة دون ذكر الأسباب.

ووقفت على الحياد نسبة قريبة من 19 في المائة، بالتصويت في خانة "لا ادري " وهي نسبة عادة ما تكون متدنية في اغلب استطلاعات "إيلاف المغرب".

وإجمالا اتسمت الإجابات في ظل غياب المعطيات الموضوعية، بالحذر والتريث، على اعتبار أن قرارا من النوع الذي أخرج بوسعيد من وزارة سيادية كبيرة، ليس سهلا ولا عاديا. المنصب الرفيع يطمح أي حزب أن يكون من نصيبه كما ان أي تقنوقراطي مستقل يجتهد في إظهار براعته لينال شرف الإشراف على قطاع الاقتصاد والمالية. وفي أية حكومة أو أي نظام، يعني المنصب التحكم في عدد من المرافق التي تتطلب تمويلا.لذلك يطلق عليه المغاربة لقب "مول الشكارة" أي صاحب الكيس الذي يتحكم في المال العام، بخزنه أولا وصرفه فيما يعود بالنفع العام.

وليست الإقالة أو الإعفاء من المسؤولية الكبرى، وهو التعبير المهذب للطرد، أمرا جديدا أو غريبا في المغرب.هي حق دستوري ظل موكولا للملك في الدساتير القديمة كونه الساهر على حسن سير المؤسسات، وأبقى الدستور الجديد على نفس الحق مع تنصيص على استشارة رئيس الحكومة، بالنظر إلى الصلاحيات المسندة للأخير بمقتضى دستور 2011.

 ويمكن النظر إلى الإقالة من زوايا قانونية وسياسية، كما يمكن تحليلها من منطلق حسن أو سوء التدبير الذي يتحمل الوزير المسؤولية الشخصية عنه، بالعقاب أو المكافأة. لكن الإقالة في كل الأحوال إجراء استثنائي ثقيل على من يتعرض له، لا يلجا إليه العاهل المغربي إلا في حالة الاضطرار القصوى، من قبيل التقصير الكبير في الاضطلاع بالمسؤولية الرسمية ما تسبب في أحداث مدينة الحسيمة.

وفي ظل غياب تام للأسباب الحقيقية، تبقى الاحتمالات و التأويلات واردة ومشروعة، بخصوص الاستغناء عن خدمات الوزير بوسعيد. 

ولعل السؤال الذي يتردد أكثر من غيره على السنة الرأي العام في هذه الواقعة هو : كيف أخطأ الوزير؟ هل اقتصر الأمر على خطأ واحد جسيم، أم أن العقاب يشمل أسلوبه في التدبير، مخالفا للتوجيهات الملكية والبرنامج الحكومي؟ ما هي مسؤولية الخبراء والمستشارين من يسمون "أركان الوزارة" من يتقاضون مرتبات عالية باعتبارهم مؤتمنين على المالية العمومية : هل نبهوا الوزير وحذروه من عواقب قرارات تصنف في خانة الخطأ الاستراتيجي المسبب ضررا للمصلحة العامة؟ هذه التساؤلات المشروعة لا تستبعد أن يكون عامل خارجي مصدر ضربة الإقالة التي باغتت الوزير وهزت الطبقة السياسية التي اعتبرتها مقدمة إجراءات أكثر إثارة. 

وعلى المستوى السياسي، تحضر مسؤولية الحزب الذي ينتمي إليه الوزير( التجمع الوطني للأحرار) تليها مسؤولية رئيس الجهاز التنفيذي والعلاقة النظامية بأعضاء حكومته : هل للوزراء الحرية المطلقة في تطبيق سياسات أو اجتهادات شخصية وإلى أي حد هم ملزمون بتنفيذ البرنامج الحكومي الذي صادق عليه البرلمان.

في هذا الصدد، تصبح إقالة الوزير بوسعيد محملة بالدلالات السياسية الخادشة للتجربة الديمقراطية في المغرب. هي تعني فيما تعنيه غياب أو ضعف التنسيق بين أطراف صناعة القرار الاقتصادي والمالي الاستراتيجي. هذا خلل يضعف صورة الحكومة لدى قطاعات عريضة من الرأي العام المغربي، خاصة وان السلطتين القادرتين على الشرح والتوضيح والإقناع شبه غائبتين، والمقصود هنا البرلمان والسلطة الرابعة (الصحافة ). غياب ترك الباب مفتوحا أمام الإشاعات وردود أفعال في صورة تعليقات ضعيفة سطحية ساخرة، انتشرت كالفطر في وسائل التواصل الاجتماعي، بعضها أرجع إقالة بوسعيد، أو عقابه، إلى عبارات رد بها على حملة مقاطعة بعض المنتجات التجارية، اعتبرت تحقيرا للمحتجين على غلاء أسعار بعض المواد.

لماذا أثارت استقالة بوسعيد ردود فعل متباينة لم يوقفها تعيين خلف له؟ الواقع أن الوزير المغادر من فئة "التقنوقراط" الذين يتباهى حزب "التجمع الوطني للأحرار" بانضمامه إليهم.فقد سبق لبوسعيد، أن تقلد قبل المالية وزارتي السياحة والوظيفة العمومية، كما عين واليا على مدينتي أغادير والدار البيضاء. وفي كل تلك المواقع لم يكن مضطرا لارتداء قميص حزب مغربي. معتمدا على رضى الملك وكفاءته الإدارية، لحماية نفسه من التقلبات السياسية والحكومية.

ويوجد اتفاق بين المحللين الاقتصاديين أن الوزير بوسعيدلم يكن فاشلا في وزارة المالية، فقد حافظ قدر الإمكان على التوازنات التقليدية المرتبطة بحجم الدين العمومي والتحكم في نسبة التضخم وإبقائه في حدود معقولة.

ربما ألقيي على عاتق الوزير تدبير ملفات ضخمة ليس مسموحا الخطأ فيها لما له من تداعيات على الاقتصاد الوطني برمته. في هذا الإطار يتساءل المحللون الاقتصاديون إن كان قرار تعويم الدرهم احد أسباب الإطاحة ببوسعيد، وما هو دوره فيه بالضبط؟ هل اتخذت جميع الاحتياطات وأنجزت التوقعات والسيناريوهات؟

وعلى سبيل المثال يقال إن الوزير لم يكن على وفاق تام مع والي (محافظ) البنك المركزي، بخصوص توقيت التعويم ومناسبة الظرفية الاقتصادية؟

ينسب إلى الوزير كذلك أنه لم يدرس أسبقيات تسديد الديون المستحقة على الدولة من طرف القطاع الخاص.

كيفما كانت التخمينات والتأويلات فإن بوسعيد تلقى ضربة قاسمة لطموحه السياسي بعد أن اطمأن على أنه وجد نفسه في صفوف حزب سطع فيه نجمه بسرعة لكنه هوى بجرة قرار.
لكن ما دام الوزير قد افلت من المحاسبة فإن باب التوبة يظل دائما مفتوحا في المغرب.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار