الفعل ليس كالقول، فشتّان الفرق بينهما، والقول المُجسَّد كفعل على أرض الواقع ليس كالقول الذي يُطلق من دون أن يكون له أي صدى أو انعكاس في الواقع. والإنسان بطبعه يميل إلى مَن فعله أكثر من قوله، وإلى من يلمس قوله فعلًا. ويبدو إن الرئيس دونالد ترامب المثير للجدل يريد أن يكون من النوع الذي لا يكون كلامه مجرد هواء في شبك.
ملاحظة، بل أمّ الملاحظات التي يجب ذكرها ونحن في سياق الحديث عن الأوضاع في إيران، بالأمس كان خامنئي ومسؤولون آخرون في طهران يؤكدون بأنهم يقاتلون في شوارع بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء، كي لا يقاتلوا في شوارع طهران وأصفهان وكرمانشاه وغيرها، بل وبلغ بهم الأمر حدّ التفاخر بأن ما حققوه من وصول إلى البحرين الأبيض المتوسط والأحمر عجز عنه أسلافهم. لكن عندما نرى ما يحدث حاليًّا في إيران وأين انتهى الأمر، فإن الأمر يبدو وكأننا أمام بقايا من "أمس" ولّى ولن يعود، ولا سيما أنهم باتوا يسيرون باتجاه يقودهم إلى ما انتهت إليه الخلافة العباسية أيام المستعصم بالله.
مهما سعى المسؤولون الإيرانيون لإظهار البأس واستعدادهم للمواجهة، فإن الخوف والتردد يظهر عليهُم بوضوح، لأن ميزان القوى في حال حصول المواجهة لا يميل لصالحهم بالمرة. وجبهتهم الداخلية التي قالوا إنها قد قامت بإسنادهم في حرب الـ12 يومًا، فإنها معبّأة حاليًّا ضدهم، وحتى إن قتلهم لأكثر من 30 ألف متظاهر قد رسم حدود قطيعة بينهم وبينها. ولا أجد هناك حاجة لتناول أوضاعهم الاقتصادية والسياسية، فهي في غنى عن التعريف بها. ولذلك فإن المواجهة هذه المرة ستكون غير مسبوقة، وحتى يمكننا أن نصفها بالقاطعة، خصوصًا بعدما أعلن عراقجي وبصريح العبارة عن استعداد طهران للتخلي عن النووي مقابل رفع العقوبات، وهو أول غيث تنازل لن يقف عند هذا الحد. ولذلك فإن الضغط والعبء الأكبر يقع حاليًّا على عباس عراقجي وليس على غيره. فهم يركّزون على أنهم الحمامة، وأن ترامب هو الصقر، من دون أن يوضحوا كيف إن هذه الحمامة تتحدّى الصقر وتقول إنها ستجهز عليه.
مفارقة تلفت النظر إليها وترسم ألف علامة بؤس وإشفاق على عناترة الأمس وحمائم اليوم في طهران. فهم، وفي الوقت الذي يهددون فيه باستهداف بلدان الخليج بصورة خاصة، يجرون اتصالات مكثفة كي تتوسط هذه الدول لدى ترامب وتبعد شبح الحرب عنهم. لكن في ظلال هذه المفارقة، هناك حقيقة تصفع حكّام طهران، وهي إن بلدان الخليج التي وضعت كل همّها في إسعاد شعوبها وضمان مستقبل أفضل لهم من دون عسكرة مجتمعاتها وجعلها تعيش في ظل تهديد الحروب والأزمات، فإن على العكس من ذلك تمامًا هو ما جرى تجسيده في إيران ولاية الفقيه. وقد قال العراقيون بلهجتهم الدارجة بحق من لا يجيد إدارة أموره: اللي ما يعرف تدابيره حنطته تأكل شعيره.


