: آخر تحديث

فنزويلا وإيران في لعبة القوة الأميركية

11
11
10

في الثالث من كانون الثاني (يناير) 2026، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن القوات الأميركية نفّذت عملية عسكرية خاطفة داخل فنزويلا انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد. لم يكن الإعلان مجرد حدث أمني عابر، بل رسالة استراتيجية مكتملة الأركان: الولايات المتحدة قررت أن تُعيد رسم خرائط النفوذ في عالم الطاقة بالقوة المباشرة، حين ترى أن النفط لم يعد محميًا بقوة سياسية قادرة على الدفاع عنه.

فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، يتجاوز 300 مليار برميل، تحوّلت خلال العقدين الماضيين إلى نموذج صارخ لدولة تمتلك الثروة وتفقد السيادة. النفط هناك لم يكن ورقة ردع، بل عبئًا معطّلًا، حبيس الأرض بفعل العقوبات، والانهيار المؤسسي، وتراجع الإنتاج، وعجز البنية التحتية عن التصدير. وما جرى مع مادورو كشف حقيقة قاسية في منطق الصراع الدولي: امتلاك الموارد لا يعني امتلاك القوة، ما لم تُدار تلك الموارد ضمن دولة قادرة على تحويلها إلى نفوذ فعلي.

هذا المشهد لا يمكن قراءته بمعزل عن المواجهة الأوسع بين واشنطن وطهران. فالولايات المتحدة، وهي تتعامل مع فنزويلا بأدوات الحسم السريع، تدرك في المقابل أن إيران حالة مختلفة تمامًا. الاختلاف لا يكمن في حجم الاحتياطيات وحدها، بل في الجغرافيا. فإيران لا تلوّح بنفطها المخزون، بل بموقعها المتحكم بأحد أخطر شرايين الطاقة في العالم: مضيق هرمز.

يمر عبر هذا المضيق ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية. وأي تهديد بإغلاقه، حتى لو بقي في حدود الخطاب السياسي، كفيل بإرباك الأسواق، ورفع الأسعار، ودفع القوى الكبرى إلى حالة استنفار فوري. هنا، تتحول الجغرافيا إلى سلاح، ويتحول النفط من سلعة إلى رهينة محتملة. ولهذا السبب تحديدًا، تبدو واشنطن أكثر حذرًا في التعامل مع طهران مقارنةً بتعاملها مع كاراكاس.

غير أن إيران اليوم لا تواجه الخارج وحده. فمنذ أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2025، تشهد البلاد موجة احتجاجات واسعة في طهران ومدن أخرى، على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، وانهيار العملة، وارتفاع الأسعار، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع. ما بدأ كمطالب اقتصادية، سرعان ما انزلق إلى خطاب سياسي مباشر يستهدف بنية النظام ذاته، ويكشف حجم التآكل الداخلي.

واشنطن قرأت هذه الاحتجاجات بوصفها فرصة لا مجرد حدث. تصريحات ترامب الداعمة للمتظاهرين، وتحذيراته العلنية من قمع الشارع، أعادت إلى الواجهة نموذج “الضغط المركّب”: استنزاف داخلي عبر الشارع، وخنق خارجي عبر العقوبات، مع إبقاء الخيار العسكري حاضرًا في الخلفية لا في الواجهة. في هذا السياق، تتحول ورقة مضيق هرمز إلى سلاح ذي حدين بالنسبة إلى إيران؛ أداة ردع في مواجهة الخارج، لكنها تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة كي تبقى فعّالة.

المفارقة أن الولايات المتحدة، وهي تُسقط عمليًا النظام في فنزويلا أو تعيد تشكيله، تفعل ذلك لأنها تعرف أن النفط الفنزويلي، بالرغم من ضخامته، لا يهدد النظام العالمي للطاقة ولا الممرات الاستراتيجية. أما إيران، فبالرغم من أزماتها الداخلية وتعقيداتها السياسية، لا تزال تمتلك القدرة على إحداث صدمة عالمية إذا قررت اللعب بورقة الإيقاف بدل الضخ.

من هنا، يصبح الربط بين فنزويلا وإيران أكثر وضوحًا وعمقًا: الأولى امتلكت الثروة وفقدت القدرة على حمايتها، والثانية امتلكت الموقع فحوّل ثروتها إلى عامل ردع حتى وهي محاصرة. اعتقال مادورو لا يقلّل من أهمية مضيق هرمز، بل يضاعفها، لأنه يثبت أن النفط بلا جغرافيا سياسية مؤثرة، وبلا دولة قادرة، وبلا قرار سيادي مستقل، لا يصنع قوة ولا يمنع السقوط.

في عالم مضطرب، تتقاطع فيه الاحتجاجات الداخلية مع صراعات الطاقة والممرات البحرية، يتأكد أن الصراع بين واشنطن وطهران لم يعد صراع بيانات أو عقوبات فقط، بل صراع على إيقاع الطاقة العالمي: من يملك القدرة على الضخ، ومن يملك القدرة الأخطر على الإيقاف.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.