: آخر تحديث

الهوية الثقافية المشتركة بين المدن العربية

2
2
2

في الجغرافيا العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج، تبدو المدن وكأنها أفراد عائلة كبيرة، تختلف في الملامح والتفاصيل، لكنها تتشابه في الروح، في النبرة، في الموسيقى الداخلية التي تجعل التجربة العربية ــ مهما تباعدت المسافات ــ ذات نسيج واحد. فهذا الوطن المترامي الأطراف لم تصهره السياسة وحدها، ولم تُجمعه حدود تشكّلت حديثاً، بل تجمعه روابط ثقافية تعود لقرون طويلة، تشابكت فيها اللغات واللهجات، وتداخلت فيها العادات والطقوس، وامتزجت فيها الذاكرة الجمعية بألوان من التاريخ والدين والفلكلور. وحين نتأمل المدن العربية اليوم، من بيروت إلى القاهرة، ومن بغداد إلى الدار البيضاء، ومن الخرطوم إلى مسقط، نجد أن هناك شبكة من المزايا الثقافية المشتركة التي لا تزال متجذرة، تُثبت أن الهوية العربية لم تكن يوماً مجرد إطار سياسي، بل كانت دائماً مشروعاً ثقافياً وروحياً له امتداده وعمقه وأثره في الحياة اليومية.

إن أول ما يلفت النظر في هذا المشترك الثقافي بين المدن العربية هو اللغة. فاللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي هوية كاملة ذات حمولات تاريخية ورمزية. وفي المدن العربية، نجد أن اللغة ــ بالرغم من اختلاف لهجاتها ــ تحمل بنية واحدة ورؤية موحدة للعالم. فالعربي في الرباط قد يستخدم تعبيرات تختلف عن تلك التي في دمشق، لكنه في جوهره يستخدم نفس البنية اللغوية التي صاغها التاريخ وترسّخت في الذاكرة. وهذه اللغة، بما تحمل من قدرة على الشعرية وعلى التعبير الرمزي، أسهمت في خلق حسّ جمالي مشترك، يظهر في الأمثال والقصائد والأغاني والحوارات اليومية. وحتى حين تتبدل اللهجات، يبقى خلفها خيط واحد يشدّها إلى سردية عربية ممتدة، تعطي للكلمة نبرة مألوفة في كل مكان.

وهذه اللغة نفسها أنتجت أدباً متشابهاً في روحه، وإن تنوع في أساليبه. فالقارئ العربي الذي يتلقى رواية من الخليج أو شعراً من السودان أو قصة من المغرب، يشعر بأن هناك قاسماً مشتركاً، وأن هذا النص ينتمي إلى فضاء ثقافي واحد. ذلك لأن الأدب العربي، في عمومه، يستلهم الوجدان نفسه: الحنين، الصراع مع الزمن، العلاقة بالهوية، التجاذب بين الماضي والحاضر، المكان بوصفه ذاكرة وكينونة، والإنسان العربي الذي يعيش بين رغبة في التجدد وتمسّك بتراث طويل. وفي كل مدينة عربية نجد هذا الأدب حاضراً: في المقاهي القديمة، في الندوات الثقافية، في الجامعات، وفي المكتبات التي تحتفظ بكتب ذات نبرة واحدة، وإن تلوّنت بتجارب محلية خاصة.

وأحد أبرز المزايا المشتركة التي تجمع المدن العربية هي البنية الاجتماعية التي لا تزال، بالرغم من التطور الكبير، تحمل طابعاً أسرياً وجماعياً واضحاً. فالعلاقات الاجتماعية في المدن العربية، سواء في طرابلس أو الرياض أو عمان، تقوم على الروابط الممتدة: العائلة، الجيران، الصداقة، العشيرة، شكل من أشكال التضامن الذي يتجاوز الفردية الحديثة. هذه الروابط تمنح المدن العربية طابعها الإنساني الحميم، وتجعل العلاقات الشخصية جزءاً من الحياة العامة. ولذلك لا غرابة أن نجد الاحتفالات الشعبية، والمناسبات الدينية، وحفلات الزواج، وحتى المآتم، تحمل أنماطاً متقاربة، بالرغم من اختلاف تفاصيلها. فعلاقة العربي بالمجتمع من حوله علاقة تتأسس على التشارك، على الانتماء، على الشعور بأن الفرد ليس منفصلاً، بل جزء من كلّ أكبر.

وإذا كانت اللغة والأدب والبنية الاجتماعية تشكّل ملامح الهوية الثقافية، فإن المطبخ العربي يشكّل ملمسها المادي الحي. ففي كل مدينة عربية تجد الحكاية نفسها تتكرر بأشكال مختلفة. قد تختلف أسماء الأطباق، وقد تتنوع النكهات، لكن الروح واحدة: طعام يجتمع حوله الناس، ويُقدم كرمز للضيافة، ويعكس علاقة العربي بالمكان والزراعة والمواسم. فمن العراق إلى تونس، هناك حب مشترك للبهارات، وللأطباق التي تعتمد على الحبوب والقمح والخضراوات، وللخبز الذي يمثل جزءاً من الهوية اليومية. والمطاعم العربية، مهما تباينت، تشترك في هذا الدفء الذي يجعل من المائدة مساحة للتواصل الاجتماعي والفني والإنساني.

كما أن الموسيقى العربية، بأنغامها وإيقاعاتها، تشكّل خيطاً آخر من خيوط التشابه بين المدن. فالمقامات العربية، بأصولها العميقة، تُعزف في كل مكان، وتتجلى بأصوات تنتمي إلى مدن مختلفة لكنها تحمل الطابع نفسه. فالموشحات في حلب تجد صدى في الطرب العراقي، كما تتجاوب مع المالوف في المغرب وتونس، ومع الأغنية الخليجية التي تعتمد على الإيقاعات البحرية والبدوية. هذه الموسيقى، بما فيها من روح مشتركة، تؤكد وحدة الحس الجمالي في الوطن العربي، وتُظهر أن الإبداع الموسيقي، بالرغم من محليته، يتغذى من نبع واحد.

وللمدن العربية أيضاً تقاليد معمارية متشابهة، وإن كانت تختلف بمستويات تطور العمران. فالأحياء القديمة، سواء في صنعاء أو فاس أو القدس أو القاهرة أو دمشق، تحمل الطابع ذاته: الأزقة الضيقة، البيوت ذات الفناء الداخلي، المشربية أو الشباك العربي الذي يحجب الشمس ويمنح الخصوصية، المساجد ذات المنارات العالية والأسواق المسقوفة التي تشكّل قلب المدينة التجاري والثقافي. وحتى المدن التي تغيرت بفعل الحداثة لم تفقد تماماً هذا الطابع، إذ لا يزال الحي القديم أو المدينة القديمة يمثل ذاكرة المكان، ويمثل في الوقت نفسه جزءاً من المشترك الثقافي العربي الأصيل.

والموروث الشعبي، بأغانيه وأمثاله وطقوسه، ضارب الجذور في كل المدن العربية. فالأمثال التي تُقال في الخرطوم تجد شقيقاتها في الموصل، والغناء الشعبي في صعيد مصر له نبرة قد تتجاوب مع مواويل لبنان، وحتى الرقصات الشعبية، بالرغم من اختلاف أشكالها، تتشابه في كونها احتفالاً بالإيقاع وجسد الإنسان وذاكرته الجمعية. كذلك فإن المناسبات الدينية والاجتماعية، من رمضان إلى عاشوراء، ومن الأعراس إلى الأعياد، تُمارس في كل مدينة عربية بطريقة متقاربة، تجعل من الطقس مشهداً جماعياً يعيد إنتاج الهوية في كل مناسبة.

على مستوى الوعي الجمعي، هناك أيضاً قضايا مشتركة تتفاعل معها المدن العربية. فالقضية الفلسطينية، على سبيل المثال، لم تكن قضيّة وطنية لشعب واحد، بل تحوّلت إلى رمز عربي جامع، تدخل في الثقافة والفن والشعر والسياسة. وهي قضية حاضرة في الذاكرة العامة، وفي الأغنية العربية، وفي وجدان الناس، من المغرب إلى الخليج. هذا الوعي المشترك يخلق رابطة رمزية بين المدن، ويجعلها تتحرك عبر تاريخ واحد، حتى وإن كان هذا التاريخ قد كُتب بأقلام متعددة.

ويمكن القول أيضاً إن المدن العربية تشترك في علاقة متشابهة مع الحداثة. فالجميع يواجه السؤال نفسه: كيف ننتقل إلى مجتمع حديث دون أن نفقد هويتنا؟ وكيف نُطوّر الاقتصاد والتعليم والعمران، مع الحفاظ على روح المكان؟ هذا السؤال، الذي يتكرر في الرياض والدوحة كما في القاهرة والجزائر، يعكس القلق نفسه، والبحث نفسه، والمعركة نفسها بين القديم والجديد. ومن هنا تتشكل مساحة ثقافية جديدة، تعيد النظر في التراث، وتمنح الحداثة نبرة عربية خاصة، لا تشبه الحداثة الغربية في كل شيء، لكنها تتجاوب معها وتعيد إنتاجها ضمن سياق عربي فريد.

وفي هذا الفضاء الثقافي، تلعب الفنون الحديثة دوراً مهماً في تأكيد المشترك الثقافي. فالسينما العربية، سواء المصرية أو اللبنانية أو المغربية أو الخليجية، تشارك في سرد القصص التي تمس الحياة اليومية للناس في مختلف المدن. وقد نجد في فيلم مصري صدى لمعاناة اجتماعية يعيشها الناس في عمّان، أو نجد في فيلم مغربي يطرح أسئلة حول الهوية تشبه تلك التي تُطرح في بغداد، أو في فيلم سوري يتناول الذاكرة والتشرد، يعكس هواجس يعيشها الناس في الخرطوم أو طرابلس. هكذا تصبح الفنون مرآة لوطن عربي واحد، متعدد المدن، لكنه واحد في الهموم والأحلام والرؤى.

أما في الجانب الفكري، فإن الحوار بين المثقفين العرب، منذ بدايات النهضة العربية في القرن التاسع عشر وحتى اليوم، خلق أرضية معرفية مشتركة. فقد تشارك المفكرون العرب في طرح الأسئلة الكبرى: سؤال الهوية، سؤال الحرية، سؤال اللغة، سؤال التراث. وكانت الكتب التي تصدر في القاهرة تُقرأ في بيروت، والتي تُكتب في بغداد تُناقش في تونس، والتي تُنشر في المغرب تصل إلى الخليج. هذه الحركة الثقافية الواسعة أسهمت في خلق فضاء فكري مشترك، لا يقتصر على النخبة، بل يمتد إلى الجامعات والصحافة ووسائل الإعلام.

ولعل أبرز ما يوحد المدن العربية اليوم هو الشعور بأن المستقبل واحد أيضاً. فعلى الرغم من تفاوت الظروف السياسية والاقتصادية، فإن التحديات التي تواجه العرب في عمومهم تبدو متقاربة: بناء دولة حديثة، تعزيز الديمقراطية، إصلاح التعليم، دعم الاقتصاد، مواجهة العولمة، والحفاظ على الهوية. وهذه التحديات تُنتج خطاباً عربياً عاماً، يشعر فيه المواطن أن ما يحدث في مدينة عربية أخرى ليس بعيداً عنه، ولا عن مصير مدينته.

من هنا، فإن المزايا الثقافية المشتركة بين المدن العربية ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي بنية حيّة تتجدد وتتطور. إنها ليست تشابهاً سطحياً، بل تشابه في الرؤية، في الوعي، في الإحساس بالعالم. هذا التشابه هو الذي يجعل العربي يشعر بأنه في بيته حين ينتقل من مدينة إلى أخرى، ويجعل اللغة مألوفة، والأغاني قريبة، والوجوه شبيهة، والتاريخ متواصلاً. وهكذا تبقى المدن العربية، مهما اختلفت ألوانها وألسنتها وملامحها، جزءاً من هوية واحدة، تتنفس من رئة واحدة، وتحلم من ذاكرة واحدة، وتكتب المستقبل بروح تجمعها، لا تفرقها.

بهذه الروابط العميقة تظل الهوية الثقافية العربية راسخة، تنبض عبر مدن الوطن الكبير، وتؤكد أن ما يجمع العرب أكثر بكثير مما يفرقهم، وأن الثقافة ــ كما كانت دائماً ــ هي الجسر الذي يعبر عليه هذا التشابه، ويتحوّل من مجرد ماضٍ مشترك إلى مستقبل يُبنى معاً.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.