انتفاضة تتجاوز حدود السيطرة
خلافًا للمحاولات المستميتة التي تبذلها ماكينة البروباغندا التابعة للنظام الإيراني لـ«تطبيع» الأوضاع وتصويرها كاحتجاجات عابرة، تشير التقارير الموثقة من الداخل الإيراني إلى حقيقة استراتيجية مغايرة تمامًا؛ فالانتفاضة الشاملة التي اندلعت في 28 كانون الأول (ديسمبر) 2025، خرجت الآن في مناطق عديدة عن سيطرة الأجهزة الأمنية بالكامل. إن التغطية الإعلامية الملفتة للنظر التي حظيت بها هذه الاحتجاجات أثبتت أنها أكبر وأقوى من كافة محاولات التكتم والتعتيم، مما وضع النظام في مأزق تاريخي لا مخرج منه، حيث فشلت جدران الرقابة في حجب صدى "الثورة الديمقراطية" التي بدأت تدخل مدارًا جديدًا من التطور والاتساع.
من المطالب المعيشية إلى الجوهر السياسي الصرف
بالرغم من أنَّ انهيار العملة الوطنية في 28 كانون الأول (ديسمبر) كان المحرك الأولي لنزول الجماهير إلى الشوارع، إلا أن حالة الخوف والقلق التي اعترت المسؤولين من "تسييس" هذه الاحتجاجات تكشف عن حقيقة أدركها الشعب الإيراني منذ 46 عامًا. لقد تيقن المنتفضون أن جذور بؤسهم لا تكمن في تقلبات السوق، بل في نهج وسياسات النظام التي يرفض التخلي عنها. إن شعارات مثل «الموت لخامنئي»، و«الموت للدكتاتور»، و«هذا شهر الدم سيد علي سيسقط»، ليست مجرد صرخات غضب، بل هي «خلاصات سياسية» دقيقة تحدد جوهر الصراع وتسمي المسؤول المباشر عن الانهيار الشامل. تجاوز المحتجون مرحلة مطالب الإصلاح الجزئي، وبلغوا مرحلة المطالبة بإسقاط النظام برمته، وهو ما يفسر استهداف رأس الهرم وشعاراته العقائدية بشكل مباشر.
الاستعصاء العملياتي وسياسة الابتزاز الإقليمي
عندما يحذر النظام من الطابع السياسي للاحتجاجات، فإنه يسعى لربطها بـ«نظرية المؤامرة» والتدخلات الخارجية لتبرير القمع المفرط. ولكن عندما يجد صعوبة في السيطرة الميدانية، يلجأ إلى ورقته الأخيرة: التهديد بزعزعة الأمن الإقليمي. وتأتي تصريحات «علي لاريجاني»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ردًا على المواقف الدولية، زاعمًا أن التدخل الدولي في الاحتجاجات يعني «نشر الفوضى في المنطقة». ويتناغم هذا الموقف تمامًا مع تحذيرات «علي شمخاني»، المستشار العسكري الأعلى لخامنئي، مما يكشف عن استعصاء نظام جعل أمن العالم رهينة لبقائه. هذه التهديدات تعكس افتقار النظام لأي قاعدة ارتكاز داخل حدود بلاده، وتؤكد أن الاستبداد الديني قد استنفد كافة أوراقه السياسية والشرعية.
ملاحم ميدانية وفرار قوى القمع
تُظهر التقارير الميدانية من اليوم السادس للانتفاضة، 2 كانون الثاني (يناير)، تحولًا دراماتيكيًا في ميزان القوى. في "مرو دشت" بمحافظة فارس، تحولت مراسم تشييع الشهيد "خداداد شيرواني" إلى ملحمة قتالية، حيث واجه المواطنون نيران الرصاص الحي المنطلقة من أسطح المباني الحكومية بصدور عارية، مما اضطر القوات المرتزقة في عدة نقاط إلى الانسحاب والفرار. وفي "كوهدشت" بمحافظة لرستان، واجهت الجماهير محاولات مصادرة جثامين الشهداء بشجاعة منقطعة النظير. ووفقًا لتقارير وسائل إعلام دولية مثل نيوزماكس، فإن هذه المواجهات العنيفة التي تمتد من طهران إلى أقصى نقاط بلوشستان وزاهدان تؤكد أن الأجهزة القمعية لم تعد قادرة على احتواء السخط الشعبي المتنامي الذي يغذيه إصرار "وحدات المقاومة" والشبان الثوار.
رسالة القيادة وجيل التغيير المنشود
أكدت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية للفترة الانتقالية، أن «نظام الولي الفقيه البائس» محكوم عليه بالسقوط، معتبرة أن المحرك الرئيسي لهذا التحول هم الشباب في سن العشرين الذين يقودون المواجهات ببراعة قتالية مسحورة. هؤلاء الشباب، بتجاوزهم لمطالب الإصلاح، يصبون إلى إرساء «جمهورية ديمقراطية» تقوم على اقتصاد مزدهر وتكافؤ الفرص. إن الرابط بين غضب البازار، ونهوض الجامعات، وصمود كادحي المحافظات، يؤكد الفشل الذري لخامنئي الذي حاول لعامين إغراق البلاد في الحروب بالوكالة والإعدامات الجماعية لترهيب المجتمع، لكنه فشل أمام إرادة التغيير.
الخلاصة: عام النهاية الأبدية
تقف إيران اليوم في لحظة صدام بين "الماضي الأسود للاستبدبداد" و"المستقبل المشرق للديمقراطية". إن التزامن التاريخي لهذه الأيام مع ذكرى سقوط الدكتاتورية الملكية قبل 47 عامًا يحمل رسالة جلية: لا توجد قوة، مهما بلغت سطوتها، تستطيع تصفيد شعب قرر الحرية. إن إيران التي رفضت في الانتفاضات السابقة الدكتاتوريتين الدينية والملكية على حد سواء تؤكد اليوم بصوت هادر أن عام 2026 سيكون عام نهاية الدكتاتورية في إيران إلى الأبد، بفضل دماء الشهداء وإصرار سيل الجماهير الذي لن يتوقف حتى إسقاط "الضحاك" وتحقيق التغيير الكبير.


