: آخر تحديث

ترامب يبدد وفرنسا تستفيد

5
5
5
مواضيع ذات صلة

جميل مطر

أتصور أنه لو استمر الرئيس دونالد ترامب في منصبه سبع سنوات أخرى أو حتى ثلاث، فسوف يسجل له التاريخ أنه الرئيس الذيغير ملامح النظام الدولي. 
أقرأ الآن عن ظواهر في البيت الأبيض تحدث لأول مرة، وأغلبها يكاد يكون في حكم الألغاز؛ بسبب صعوبة فهمه أو تفسيره أو تبريره. منها على سبيل المثال وجود أشخاص في مناصب حساسة، وأشخاص يتعاملون مع وثائق ومعلومات خطرة لم يحصل أكثرهم على ترخيص أمني مناسب. وجود شخص في البيت الأبيض بهذه الصفة والمسؤولية يعمل دون موافقة من أجهزة الأمن الداخلي كان يمكن في عهود سابقة أن يتسبب في أزمة للرئيس. 
الحديث عن الألغاز في علاقات الرئيس برؤساء أجانب، وعن ظواهر غير مألوفة في عمل البيت الأبيض ليس ترفاً على هامش تحليل السياسة الخارجية الأمريكية أو التعليق عليها. أتصور أنه لم يعد ممكناً وربما غير جائز دراسة حال علاقة بين أمريكا ودولة أخرى دون الأخذ في الاعتبار تأثير بعض هذه الألغاز والظواهر. نأخذ العلاقة الأمريكية - الفرنسية الراهنة، ونحاول تتبع الدور الذي يلعبه البيت الأبيض بكل مؤثراته وظواهره الجديدة على هذه العلاقة. نلاحظ من خلال المتابعة أولاً: أن الرئيس ماكرون استطاع بمهارة فائقة الاستفادة لفرنسا ولأوروبا أيضاً من وجود ترامب في البيت الأبيض. جاء ترامب إلى البيت الأبيض رافعاً شعار عدم التدخل المكلف مادياً في أي شأن من شؤون أوروبا أو غيرها. جاء في واقع الأمر مكملاً لمسيرة بدأها الرئيس السابق باراك أوباما، كلاهما أفسح المجال لقيادة جديدة في أوروبا تملأ الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الأمريكي. بهذا المعنى كان ترامب الزاهد في القيادة الدولية فرصة لا تعوض لماكرون. 
لا شك أنه كان من حسن حظ الرئيس الفرنسي أن بريطانيا خرجت من أوروبا، تاركة مقعد قيادة شديد الأهمية. خروج بريطانيا يعني في الوقت نفسه إخلاء الساحة الأوروبية من معارض قوي لفكرة الوحدة الأوروبية، ومنافس تقليدي للنفوذ الفرنسي. من حسن حظه أيضاً انشغال أنجيلا ميركل عن مسؤولياتها القيادية في الاتحاد الأوروبي بانتخابات برلمانية شديدة التعقيد. فرصة لا تعوض حانت لماكرون؛ لينفذ فكرة استقلال الكيان الأوروبي كقوة سياسية عالمية، كانت حلماً للجنرال ديجول؛ ليتخلص بها من الهيمنة الأمريكية. 
نرى أمامنا- الآن- فرنسا تقود قوة دفاع من خمس دول تعمل في إفريقيا، هذه القوة لا تخضع لبروكسل والبيروقراطية المتحكمة أو المقيدة لأفكار من هذا النوع، بدأت كمبادرة فرنسية للتدخل السريع متحررة من قواعد التصويت في الاتحاد الأوروبي. 
بدون شك كبير نستطيع القول، إن ماكرون نجح في شهور قليلة في نقل فرنسا إلى الصف الأول للدول القائدة في العالم. لا نقول إنه نجح بجهد أو نفوذ الرئيس الأمريكي الجديد؛ لكن بفضل إجادته فن انتهاز «الفرصة الترامباوية» في اللحظة المعاصرة. لقد تسبب الرئيس بسياساته وتصرفاته غير العادية، وغير التقليدية في إفراغ السياسة الخارجية الأمريكية من أحد أهم عناصر قوتها، أقصد عنصر القوة الناعمة هذه القوة، التي تقف على أربع:
أولها: الهجرة. باعتبار أمريكا في الأساس دولة للمهاجرين، ويريد ترامب تقييد هذا المفهوم؛ بحيث ينطبق على شعوب معينة في شمال أوروبا.
ثانيها: الحلم الأمريكي. لم يكن شعاراً فحسب؛ بل كان أملاً للكثيرين في شتى أنحاء العالم وشتى الثقافات والأديان. توقفت أمريكا الرسمية عن رفع هذا الشعار تحت ضغط الأزمات الاقتصادية وغموض رؤى المستقبل. توقفت أيضاً تحت ضغوط ترامب الكلامية والعنصرية. 
ثالثها: قيم الحرية والعدالة واحترام حقوق الإنسان. هذه جميعها تعرضت للإهمال المتعمد من جانب ترامب وحكومته. انسحب من اتفاقية المناخ، ودعم حكومات ترفض التزام حماية حريات الناس السياسية والفكرية. هو نفسه وقف إلى جانب البيض المتطرفين ضد السود وإلى جانب المتحرشين في البيت الأبيض بالنساء، وأهان المرأة عامداً متعمداً في أكثر من مناسبة وشن حرباً «وحشية» ضد الصحافة وغيرها من وسائط الاتصال والتعبير. 
رابعها: الدبلوماسية الأمريكية. هذه الدبلوماسية أحببناها أو كرهناها كانت وراء أحداث وتطورات تاريخية، ليس أقلها شأناً إقامة نظام دولي عتيد على أنقاض نظام قضت عليه الحرب العالمية الثانية. 
يستطيع ماكرون أن يقدم نفسه للعالم الخارجي بالقائد السياسي، الذي استفاد أكثر من غيره من وجود ترامب على رأس الدولة الأعظم في العالم. الآن يتعين عليه أن ينتظر عودة أنجيلا ميركل إلى مكان مخصص لها حتى وإن عادت مثخنة بجراح تسببت فيها الحملة الانتخابية. 
لدى ماكرون حلم: أن يستمر ترامب رئيساً أمريكياً لدورتين.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد