: آخر تحديث

عشية ذكراها السنوية؛ ثورة فبراير الإيرانية بين الحقيقة والإدعاء

78
82
82
مواضيع ذات صلة

ثورة فبراير الإيرانية إلى أين؟ ومن صاحب الحق في الإحتفال بها.. أهلها أم من سلبوها؟

وماذا يحدث في إيران عشية الإحتفال بالذكرى السنوية للثورة؟

وهل لا يزال ملالي طهران طهران أفضل شرطي وحامي للمصالح الغربية بالمنطقة   

ثورة فبراير 
قامت ثورة فبراير 1979 كرد فعل شعبي أخير بعد صراع طويل بين الشعب وسلطة الشاه الدكتاتورية التي أهلكت الموارد الوطنية وسخرتها في خدمة المتميزين بالسلطة وقوى الإستعمار وشركاته، وسلبت الحريات وأتبعت سياسةً قائمةً على الكبت والقمع والإكراه والسجن والإعدامات وأضرت بالثقافة الإجتماعية ودفعت باتجاه تغيير هوية الدولة كليا، وقد جاءت ثورة فبراير بعد مخاض عسير تضمن إبادة عشرات الآلاف من خيرة أبناء الشعب الإيراني في السجون تحت أحكامٍ جائرةٍ بالإعدام أو بالسجن المؤبد.

تعاظم الرفض الجماهيري للشاه ونظامه القمعي وزادت إخفاقاته ونمت حوله طبقة من حاشية السلطة المفسدين وبلغت إخفاقاته هذه حدا لا يُمَكْن حلفائه الغربيين من المضي قدما في دعمه والمغامرة بمصالحهم في ظل نظام سياسي متغطرس وغير مستقر ما دفع بهم إلى التخلي عنه في نهاية واختيار الورقة الرائجة الرابحة ورقة الدين والمذهبية لبدء العمل على التمهيد والإعداد لها، ولم يمضي طويلا على كلمة الشاه التي قال في جزء منها من لا يعجبه الأمر فله مكانين إما السجن أو يغادر البلاد إلى الأبد وبين عشية وضحاها غادرها هو شخصيا إلى الأبد بعد وصلته رسالة أنه لم يعد شاهنشاه إيران.. إيران التي كان ولا زال حكمها معلقا بيد الغرب، ولم يجد له فيها قبرا بعد مماته، وتنهي مسيرة حكم مأساوية أضرت بالغ الضرر بالشعب الإيراني وبدول المنطقة فقد كان الشاه ملقبا في حينها بـ شرطي المنطقة تحركه السياسات الغربية كيف تشاء تبعا للمتغيرات، وتأتي ثورة 22 بهمن (11 فبراير 1979) كثورة مهيبة في تاريخ إيران والمنطقة بل والعالم أجمع. 

المشاركين في الثورة 
من يريد أن يعرف حقيقة حجم ونسب المشاركين في الثورة عليه أن ينظر في ثلاثة فئات داخل إيران؛ الفئة الأولى حجم (سجناء الرأي وتوجههم) والفئة الثانية حجم (الرفض العمالي ووجهته الفكرية) والفئة الثالثة فئة (الطلبة والشباب وتوجههم الفكري)؛ وهنا وقبل كل كل شيء يجب أن نؤكد على أن كل فئات المجتمع الإيراني محافظة دينيا سواء ارتدت تجهيزات الدين السحرية وتاجرت به أو لم ترتديه ولم تتاجر به فالإغلبية العظمى يحترمون العقيدة ويميلون إلى روح التصوف، في الفئة الأولى التي أشرنا إليها فئة سجناء الرأي كان حجم التيار الديني السياسي هو الأدنى قياسا بباقي القوى الوطنية واليسارية، وكذلك الحال في أوساط الطلبة والعمال بمعنى أن الشعب كان يحترم التيار الديني من منطلق إحترام العقيدة، ولكن حجم هذا التيار كان محدودا سياسيا داخل المجتمع وأما النسب الأعلى تمثيلا وقبولا في المجتمع فقد كانت لقوى الإسلام الديمقراطي المعتدل والقوى الوطنية واليسارية كحركة حرية إيران، ومنظمة فدائيي خلق، ومنظمة مجاهدي خلق، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب الكومله وباقي التيار الكردي المعارض، وقوى إيرانية أخرى معارضة، وعلى الرغم من أنهم كانوا الأعلى تمثيلا ووجودا وتأثيرا إلا أن التيار الإسلامي المتطرف قد تمكن من الهيمنة وإقصاء الجميع وسلب شرعية الثورة ولم ذلك لجدارة أو كفاءة أو أحقية وإنما بسبب غياب قادة التيارات الأخرى بين من أعدمهم الشاه ومن يقبع حينها في دهاليز السجون ينتظر تنفيذ أحكاما بالإعدام أو بالسجن المؤبد مما خلق فراغا قياديا أتاح فرصة الوجود للتيار المدعي باسم الدين وهيمنة خطابه السحري المخادع وخاصة بالمدن الإيرانية الكبرى وذلك بدعم غربي، وخلاصة القول لقد شارك الشعب الإيراني بكافة مكوناته وفئاته في ثورة الحادي عشر من فبراير ولم يكن الإسلاميين المتطرفين الأكثر وجودا وحضورا لكنهم كانوا الأكثر تأثيرا في طهران وإصفهان وتبريز بسبب إعدام قادة التيارات الأخرى وبقاء ما تبقى منهم داخل السجون والسبب الأهم هو الدعم الغربي لتيار خميني كي يكون بديلا يخلف نظام الشاه ويحمي المصالح الغربية.

مسيرة ثورة 11 فبراير 1979 
من باب العلم بالشيئ لم يكن الملالي وهم فئة متسلقة انتهازية ميكافيلية من رجال الدين بعيدين عن سلطة نظام الشاه بل كانوا من حُماةِ عرشه وطغيانه ولطالما يغدق وينعم عليهم فهم مغردين في سربه مطبلين له، فهو ولي النعم كما كانوا يلقبونه من قبل.
لم يكن خميني بالشخصية الهينة حيث تمكن من خداع الغرب كي يكون بديلا في الوقت الذي يبحث فيه الغرب عن بديل، وقد حدد خميني أدواته وأهدافه من قبل الثورة وكان خطابه إحتياليا لإحتواء الخصوم أو المنافسين من التيارات الإسلامية التي هي خارج سربه كمجاهدي خلق، وكذلك التيارات غير الإسلامية، كما عمل على تحييد المهندس مهدي بازركان واحتوائه من خلال جعله رئيس أول حكومة وقد أفلح في تحييده، لكنه فشل في تحييد منظمة مجاهدي خلق التي رفضت مشاركته في إقصاء القوى السياسية غير الإسلامية بعد أن كان خميني قد وعد بحق الممارسة السياسية حتى للماركسيين الإيرانيين، وتصبح منظمة مجاهدي خلق بعد ذلك من أعتى خصوم وأعداء خميني الذي ما إن تمكن من السلطة حتى أزاح الجميع وأعلنها خلافة إلهية ولا حزب إلا حزب الله حزبا لجنده ونظامه، وينتهي الأمر بخصومه السياسيين ملاحقين بفتواه الإبادية داخل إيران وفي السجون والمنافي.. إعدامات ومجازر إبادة حماعية في الشوارع وأخرى في السجون وأشهرها مجزرة سنة 1988 بحق 30 ألف سجين سياسي كثيرا منهم أمضى مدة عقوبته بالسجن وينتظر لحظات الإفراج عنه وكانت الإعدامات بفتوى الحِرابة لتي لا تمت للحِرابة والإسلام بصلة، وكانت تلك الجرائم بحق الشعب وقواه السياسية التي اختلفت مع خميني إحدى منجزات الثورة السليبة على يد الملالي وتستمر الإنجازات والآلام التي لم تقتصر على الإيرانيين فحسب بل وصلت إلى الجوار العربي تحت ذريعة تصدير الثورة وتحرير القدس مرورا بكربلاء.

ماذا يحدث في إيران عشية الإحتفال بالذكرى السنوية للثورة 
لم تتوقف ثورة فبراير 1979 عن المسير فقد سُرِقت ولم تحقق أهدافها وطموح شعبها الذي وقع في كارثة تفوق سابق بلواه حيث يعيش في نمطية قمعية دموية استبدادية باغية طيلة الـ 43 سنة الماضية باسم الدين والدين بريء، ولم تتوقف حالة الرفض الشعب لنظام الملالي منذ أن استتب لهم الحكم، وتتوالى الإنتفاضات الشعبية واحدة تلو الأخرى وأخرها هذه الإنتفاضة الجارية التي أهلكت النظام وجعلته قاب قوسين أو أدنى من السقوط والزوال ولا يحول بينه وبين السقوط على يد الشعب سوى نفس القوى التي كانت تدعم الشاه من قبل إذ ترى قوى المهادنة والإسترضاء العالمية في نظام الملالي شرطيا وشريكا أفضل ممن سبقه وتلك هي الحقيقة مهما تزين الآخرين بشعارات فضفاضة براقة.

ما يحدث عشية الإحتفال بالذكرى السنوية لثورة فبراير الإيرانية هو أن الإنتفاضة المتأججة منذ أكثر من خمسة أشهر لم تتوقف، وأن أعمال النظام القمعية الإجرامية لم تتوقف، لكن ممارسات جديدة تظهر اليوم في تعامل الملالي مع المتظاهرين في الشوارع وفي السجون وكذلك طبيعة الأحكام، خطفٌ وقتل وتنكيل بأبشع الصور ثم تُلقى الضحايا في الطرقات كضحايا نساء مجهولي الهوية مشوهة وجوههن مكسرة أيديهن وأرجلهن محلقة رؤوسهن، وجرائم تُسجل ضد مجهول، فبدلا من قتلهم رسميا بقرار حكومي في السجون تحت مسمى الإعدام يتم خطفهم وتصفيتهم بصمت (فلا من رأى ولا من درى)، هذا بالإضافة إلى الملاحقات الإستخبارية للمتظاهرين خاصة النشطاء منهم وخطفهم من بيوتهم ساعات الفجر ومطالبة ذويهم بعدم متابعتهم والسؤال عنهم، أما طبيعة الأحكام الجديدة فهي أكثر ظلما استبدادا واستعبادا للبشر إذ يحكمون اليوم على بعض السجناء من المتظاهرين خاصة النساء بقضاء مدة حبسهن مقيدات بالأصفاد بأرجلهن في بيوتهن وداخل محيط نصف قطره 500 متر وذلك بسبب أكتظاظ السجون بالسجناء، والأحكام الجائرة الأخرى إضافة للسجن هي المنع من ممارسة أو مطالعة شيء على الإنترنت لفترة معينة في الغالب تصل لسنتين وكذلك المنع من السفر في مدة مشابهة وذلك بعد قضاء مدة الحبس، هذا بالإضافة إلى أحكام الإكراه والسخرة كالحكم على البعض بكتابة أبحاث طويلة تتفق مع فكر النظام وتتعارض مع أفكارهم ، والخدمة القسرية المجانية في مناطق معينة لفترات محددة.. وهذا نوع آخر من الإذلال والإستعباد.  

الملالي يسعون إلى كسر طوق العزلة إقليميا وإضفاء شيئا من الشرعية 
يعرف المتابع المهتم بحجم عزلة نظام الملالي محليا وإقليميا ودوليا، وقد زادت الإنتفاضة الجارية من عزلته والنفور منه إقليميا ودوليا خاصة وأن النشاطات العربية والدولية الداعمة للانتفاضة الإيرانية والمقاومة الإيرانية قد اتسعت وتنامت باتجاه إسقاط النظام، وكمسعىً منه للهروب مخاوفه يسعى النظام لإظهار شرعيته وشرعية ما أسماها نسبةً له بالثورة الإسلامية من خلال الدعوة للحوار والتصالح مع الدول العربية وهي حيل آنية سرعان ما تموت قبل ولادتها، كذلك يسعى إلى دعوة شخصيات ونشطاء عرب للمشاركة في مراسيم الحفل الإستعراضي بمناسبة الذكرى السنوية لثورة فبراير ثورة الشعب التي سلبها معتمدا على الخارج في كسب شرعيته غير آبها لشعبه قامعا له، في حين أن الشعب وقواه الوطنية هم أصحاب الحق بالثورة وحمايتها والإحتفال بها ومن يدري قد يكون هذا اليوم قريبا.

مسار الإنتفاضة الإيرانية الجارية 
الإنتفاضة الإيرانية الجارية إنتفاضة سياسية منظمة لشعب لم يعد لديه ما يخشي خسرانه.. إنتفاضة حق ورائه شعبٌ مُطالب، وحقوق مختلفة ومتعددة بلورها الشعب ووضعها في مطلب واحد وهو إسقاط النظام ليتم تحقيق باقي الحقوق، ويعد ذلك نضجا جماهيريا نوعيا هو أحد سمات هذه الإنتفاضة، ويُحتسب إنجازا من بين الإنجازات التي تحققت ضمن مسير ثورة فبراير التي لم  تتوقف منذ أن قامت عام 1979 وما ستحققه هذه الإنتفاضة سيكون بمثابة إستعادة وطن وثورة سليبين والقضاء على كل أشكال الدكتاتورية والطغيان والإستبداد. 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي