: آخر تحديث

رسالة

18
17
8

كتب لي رسالةً يقول فيها صديقي خالد :
إلى عامي الأول حيث كنت رضيعًا أنا أحبك يا صديقي، أحب فيك عنادي القديم تمتماتي القديمة ..  وصرخاتي .. أحب فيك رفضي الأول واحتجاجاتي العظيمة على هذا العالم، أنا أعلم أني كنت عنيدًا جدًا كنت طفلًا لا يثق بأحدٍ سوى أحضان أمه
 

 

كنت أعرف أن الآخرين مخيفون وأن هذا العالم طُعمًا وقاومت طويلاً كي لا ابتلع الطعم ..
كانت كلما امتدت إليّ يدان أصابتني بالرّيبة
لا أحب الغرباء، ولا أثق بهم
هكذا كانت دربتي في الحياة، المكان الوحيد والآمن لي هو حضن أمي
كبرت عامي الثاني فالثالث والرابع وتوالت السنون


كنت كلما كبرت عامًا ازددت ليونةً مع الآخرين
وتقبلًا لهم، 
وازدادت الحياة جاذبيةً وتلويحًا لي بطعمها البراق
بدأت ثقتي بالآخرين تزداد شيئًا فشيئًا، الأيادي المتمدة إليّ لم تعد تصيني بالريبة ولا الحذر
بت أثق بالآخرين
واستلطف الغرباء
ومرت السنون، 

كان قلبي مشرعًا على مصراعيه، أدنى نسمةٌ يمكن لها بعثرته
كنت أراكم السنوات فوق بعضها دون أدنى حذر
وأحيانًا تلمح لي ذكريات عامي الأول، حيث كان الغرباء لصوص
والآخرين يودُّون أن يمكروا بي
وهذا العالم يتربّص بأحلامي
لكنني كنت أتغافل وأقول في نفسي ما هذه إلا صبينة طفلٍ صغير

وما الآخرين إلا أصدقائي
وما الحياة إلا عالمي وحياتي
كبرت ومرت الأعوام وبتُّ شابًا مفتول العضلات والفؤاد
أعيش الحياة بكل تفاصيلها، 
أسافر وأذهب واكتشف عوالم كنت أجهلها
كان قلبي مشرّعًا وفؤادي عشًّا لم تسكنه الطيور بعد
حتى رأيتها للمرة الأولى

ونبض قلبي الغضُّ بشدة، ومباشرةً دخلت في هذا المكان المهجور دون أن يحجبها حجاب، أنارت القلب بابتسامتها
وألقت على المكان بسحرها
كان كل شيءٍ مثاليًا لتكون لحظةً خالدةً وإلى الأبد، 
عاشت بقلبي كما لو أنه مملكتها، زرعت وبنت ورعت فيه 
كانت تستيقظ كل صباح لتشرق فيه بدلًا من الشمس

وعوضًا عن العصافير ملأته بضحكاتها
وحين اشتاق إلى البحر يا خالد فقط أرى ابتسامتها فأشعر بموجات البحر في قلبي
كانت صورها مثل النوارس
تطير وتحط في قلبي
كان كل شيءٍ يشير إلى أن الحياة مثاليةً إلى الأبد

وحين تأكدت واطمئنت أن كل شيءٍ على ما يرام
وأن عالمي حقاً أصبح عالمٌ ساحرٌ وعلى ما يرام
اطفئت كل شيء في هذا القلب ورحلت
هكذا ببساطة
تخيل يا صديقي أي شعورٍ أعيش به الآن، وأي قلبٍ محطم أحمله معي أينما رحلت

كلما تفكرت في حالي تمثلني بيت البردوني
" وكأني قلبي في الضلوع جنازةٌ
أمشي بها وحدي وكل مأتمُ "
الآن وبعد كل هذا العمر كلما وقفت الآن أمام المرآة أرى ذلك الطفل في عيني يحدق بي وكأنه يقول لي :

ألم أخبرك ألا تثق بأحد .


 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي