: آخر تحديث

الكون الأرمل

25
23
25
مواضيع ذات صلة

عندما نشر آينشتين سنة 1905 نظريته النسبية الخاصة  ومن ثم نشره لنظريته النسبية العامة سنة 1915، لم تكن التكنولوجيا البشرية متطورة جداً لتثبت صحة تنبؤات آينشتين بشأن  وجوب وجود ثابت كوني، والذي يعتقد اليوم أنه الطاقة السوداء أو المظلمة أو الداكنة أو المعتمة، وكذلك  بقايا صدى الإنفجار العظيم  على شكل موجات ثقالية ، وكان ذلك محصوراً على الصعيد النظري . وفي عام 2015 حصلت انعطافة في علم الكوسمولوجيا حيث تم رصد أمواج الجاذبية أو الثقالة الكونية وكان العلماء يعتقدون أنها تعود إلى بداية الكون المرئي بعد الانفجار العظيم  ولكن اتضح أن ما تم اكتشافه هو موجات ثقالية تعود إلى تداعيات وأصداء ارتدادية لتصادم أو اندماج ثقبين أسودين. كان آينشتين يعتقد إن من المستحيل رصد تلك  الموجات الثقاليةالأولية التي بعجت نسيج الزمكان  لكنها غير ملموسة وضئيلة، والحال إن الموجات الثقالية لا تتفاعل  مع المادة ما بين المجرية، و ليست قابلة للامتصاص  ولا التشويه . فبعض نظريات الكون البدئي  تنبأت بأنه في الأجزاء الأولى من الثانية بعد ولادة الكون ، كان هناك آثار أولية لموجات الجاذبية أو الثقالة الكونية، غمرت مجمل الكون المرئي الوليد ، وإن اكتشافها ورصدها يعني العودة والسفر عبر الزمن والرجوع إلى لحظة ولادة الكون المرئي نفسها  وهذا ما سوف يتحقق إن آجلاً أم عاجلاً. مثلما من الممكن التوصل في المستقبل المنظور لنظرية كل شيء التي سوف توحد النسبية  العامة والفيزياء الكمومية أو الكوانتية . 

صحيح أننا لم ننجح لحد الآن في رواية حكاية اللحظة صفر من عمر الكون، فهناك عائق لايمكن تجاوزه يتمثل في " جدار بلانك " ـــ على إسم عالم الفيزياء الألماني ماكس بلانك ــ والذي يمنع الوصول إلى هذه المعلومة التي يعود زمنها إلى 10-43 من الثانية الأولى من اللحظة صفر . في تلك الحقبة الغارقة في القدم كان حجم الكون الوليد 100 مليون  المليار المليار المليار أصغر  من ذرة الهيدروجين . والحال أن الفيزياء المادية المعاصرة تتوقف عن العمل عند تلك النقطة الزمنية وتلك الحدود المانعة. ولتجاوز جدار بلانك ينبغي توحيد دعامتي الفيزياء الحديثة ، أي أكبر نظريتين في القرن العشرين ، وهما الفيزياء الكمومية أو الكوانتية والنسبية العامة ، أي الجمع بين اللامتناهي في الصفر واللامتناهي في الكبر لأنهما كانا موحدين في " زمن بلانك" . الأمر في غاية الصعوبة لأن هناك عدم توافق واتساق جوهري بين النظريتين . فالفضاء أو المكان، حسب النسبية العامة، على النطاق الواسع، كان هادئاً وناعماً وسلساً ، في حين أن المكان أو الفضاء في النطاق مادون الذري  للميكانيك الكمومي أو الكوانتي،هو على هيئة رغوة كمومية أو كوانتية دائمة التغير والتقلب وفي حالة تخلخل وتقلب فوضوية أو عشوائيةوغير منتظمة ، تظهر وتختفي ، هنا وهناك ، على مدار فترات غاية في القصر. أي أن المكان في النطاق الكمومي أو الكوانتي غير سلس . لهذا سعى العلماء وجهدوا للتوصل إلى نظرية " للثقالة الكمومية أو الكوانتية gravité quantique التي من شأنها توحيد النظريتين . وفي هذا السياق تبلورت معطيات نظرية الأوتار الفائقة خلال سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي والتي تقول أن الجسيمات الأولية  للمادة والضوء  التي تحمل  القوى ، هي التي تربط بين عناصر العالم المادي وتعمل على أن تكون متغيرة وفي حالة تطور دائم ، وهي ناجمة عن ترددات وذبذبات في النهايات الصغيرة جداً للأوتار في  نطاق مكان  بلانك وهو 10-33من السنتمر ، وقد أنعشت نظرية الأوتار الفائقة الآمال في التوصل إلى النظرية الشاملة والموحدة، أي نظرية كل شيء أو النظرية أم M . إلا أن هذه النظرية غير قابلة للتدقيق والاختبار العملي أو الرصدي في الوقت الحاضر ومغلفة بغلالة كثيفة من المعادلات الرياضياتية المعقدة ولم يحدث  لحد الآن أي إثبات مختبري لصحتها وبالتالي مازلنا ننتظر ونصبو للتوصل إلى نظرية كل شيء. 

فاللحظة الأولى للانفجار العظيم ليس إلا نقطة " فرادة  singularité " . وفي قلب الثقب الأسود هناك مرحلة تنهار فيها الفيزياء وقوانينها وهي " نقطة فرادة" أيضاً فهل من الممكن التفكير بأن الكون المرئي ولد من ثقب أسود ؟. من الناحية المبدئية ، أي جسم يمكن أن يغدو ثقباً أسود، حتى الكائن البشري يمكن أن يتحول إلى ثقب أسود. يكفي تعريضه للضغط والكبس إلى ما يتعدى حداً معيناً من الحجم . فلو أخذنا شخص يزن 70 كيلو وضغطناه إلى قطر 00000000000000000000000,1cm من السنتمتر فسوف يتحول إلى ثقب أسود . وكذلك كوكب الأرض ، فلو ضغطته  أيدي عملاقة حتى يصبح حجم الكرة الأرضية بقدر كرة البنغبونغ ping pong سوف تتحول إلى ثقب أسود. ولو ولجنا إلى قلب ثقب أسود، حيث لايمكن العودة والخروج منه ، إذ لايمكن لأي شيء أن يخرج من ثقب أسود، ولا حتى الضوء، فسوف نلاحظ أن جسدنا سيتمزق بفعل قوة الثقالة أو الجاذبية الهائلة في الثقب السود حتى يبلغ حجم جزيء أو ذرة وسوف ينصهر ما كنا عليه ضمن كتلة  غير متجانسة من الجسيمات الأولية المادية محشورة في فضاء لامتناهي في الصغر 10-33  وهو ما يسميه الفيزيائيون بفضاء الفرادة ، وافترض علماء الفيزياء أن " المعلومة" يمكن أن تخرج بفعل " فرادة أخرى" لكنها موجودة في منطقة أخرى من الكون بيد أنه ليس كوننا المرئي بل كون موازي له وبين الفرادتين اتصال من خلال نفق يدعى  " الثقب الدودي  يتواجد في فضاء فائق. وهناك فرضية تقول أن كوننا المرئي ولد من مثل هذه العملية أي من قلب فرادة في ثقب أسود عملاق . وعلى ذكر الكون الموازي ، يتعين علينا التمعن بصيغة أخرى مغايرة للصيغة المعيارية للكون المرئي ، أي الكوسمولوجياالبديلة ، أو رؤية جديدة وجريئة بدأها  العالم الروسي أندريه زاخاروف سنة 1967 وأكملها العالم الفرنسي جون بيير بتي في ثمانينات القرن الماضي . فبعد أن توصلنا إلى آلية تشكل النجوم والكواكب  والمجرات  والسدم والأكداس أو التجمعات المجرية التي تقع على بعد عشرات المليارات من السنوات الضوئية في عمق الفضاء الكوني للكون المرئي، ها هي الكوسمولوجياالحديثة تأخنا في رحلة عبر الزمن  والمكان المتداخلين في نسيج واحد هو الزمكان في ماضي وحاضر ومستقبل هذا الكون المرئي عبر دروب وعرة ومنعطفات حادة ومعادلات رياضياتية غاية في التركيب والتعقيد والصعوبة ، ما يتجاوز  الكوسمولوجيا المعيارية التي تبلورت على مدى بضعة عقود من جراء المشاهدات وعمليات الرصد والتجريب المختبري والمحاكاة الكومبيوترية لترسم لنا صورة الكون المرئي ولكنها لم تتمكن من الإجابة على العديد من التحديات والمعضلات الكوسمولوجية التي لها دلالات عميقة تحتاج إلى إجابات في نطاق المباديءالكوسمولوجية العامة بخصوص  التجانس والاتساق والإزوتروبي للكون المرصود والذي صاغ لنا  النموذج المعياري المتداول اليوم لكنه ليس مثالياً أو متكاملاً ومقبولاً مائة بالمائة مما حدا بالبعض إلى البحث عن رؤية كوسمولوجية بديلة قادرة على تقديم بعض الإجابات على تساؤلات جوهرية من قبيل :" كيف ولماذا تتطور المجرات ولماذا هناك توزيع متجانس جداً لتلك المجرات وعلى نحو شبه تراتبي وهل هناك نطاق أوسع مما نراه ونرصده بأجهزتنا وأين ذهبت المادة المضادة ولماذا لا نستطيع رصدها ولماذا يبدو الكون الأولي البدئي إيزوتروبي ، وماهو الكوازار حقاً، والسؤال الأهم والأكثر غموضاً ، ما هو الزمن، خاصة بالقرب من الظروف التأسيسية الأولية حيث لاتوجد هناك آية وسيلة للقياس، وهل  هناك كون موزاي توأم يقبع في نفس الفضاء الكوني، مكون من المادة المضادة ، والتي لا تتفاعل مع المادة المرئية، ويكون متزاوجاً مع كوننا المرئي ومرتبطاً به لكنه غير مرئي وغير قابل للرصد إلا من خلال تأثير ثقالته الكونية؟ فلقد طور جون بيير بتي نظرية  المجاميع la théorie des groupes  وبدلاً من الحديث عن المادة السوداء أو المظلمة يتحدث جون بيير بتي عن " المادة الظل matière ombre – shadow mater  وإن الكون المطلق  أو الميتاكون  مكون من عدد لامتناهي من الأكوان التوائم، جزء منها مرئي قابل للرصد ، وجزء غير مرئي وغير قابل للرصد والمشاهدة في الوقت الحاضر لتأخر مستوانا العلمي والتكنولوجي ، و لا يوجد تفاعل بين الكون المرئي وتوأمه غير المرئي إلا من خلال ثقالتيهما  وعبر نظام من القوى الجاذبة والدافعة  ، قوة الجذب والشد وقوة النبذ والطرد. بعبارة أخرى لقد فقد كوننا المرئي زوجه التوأم  وبات أرملاً.  يتبع


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي