الغرب، بشكل محدد، لم يتقدم لأنه حصل على معلومة أو وقع على كشف علمي، بل لأنه كسر «المسلمات» وأخضعها للمنطق. فالعالم «كوبرنيكوس» كسرت أقواله واكتشافاته المسلمات القديمة، وأثبت أن الأرض ليست مركز الكون، فقضى على سبات قومه، السبات الذي لا نزال نحن فيه مستمرين. وكمثال فإن الفيلسوف ديكارت لم يكتشف شيئا ولا جاء بمنتج صناعي، بل قام فقط بلفت نظرنا لحقيقة أن الإنسان، يفضل عادة، أن يبقى على ما اعتاد عليه، ويجب أن يصدم بالمعلومة، وأن «يشك»، لكي يتغير ويتقدم!
* * *
إيران، بحدودها البحرية والبرية، جارة لعدة دول عربية، وذات ثقل حضاري وسياسي، وعسكري، ومن الضروري محاولة التعايش معها بسلام، بحكم الجغرافيا، بخلاف الأمور الأخرى، وربما سيكون من المناسب قريبا الاتفاق معها، إن اختارت أن تجنح للسلم، وتتوقف عن ايذائنا، فهي عسكريا وسياسيا ومعنويا، في أضعف حالاتها، وما يشجع على أخذ المبادرة معها، بقاء العلاقات الدبلوماسية، والسفراء، بين البلدين، على سابق وضعهما.
* * *
جاءت الثورة الإيرانية في يناير 1978 بكامل تعقيداتها، وربما كان من الممكن التعايش معها، منذ اليوم الأول، لولا إصرار قيادتها على الدعوة، وإن بطريقة مبهمة، لـ «تصدير الثورة»، وهذا تسبب تاليا في تورطها في حرب مع العراق دامت ثماني سنوات، كانت كافية لحرق «جسور التفاهم»، التي كان من الممكن مدها مع دول الجوار، ونسيان «خطايا» نظام الشاه السابق، الذي كان يتصرف مع جيرانه بروح التعالي، كونه شرطي الخليج! لذا بقيت العلاقة بين الطرفين، الفارسي والعربي الخليجي، على نسقها السابق، مع اختلافات بسيطة، وكان من المتوقع أن ينفجر صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، قبل الآن بسنوات طوال، لكن فضل الطرفان إدارتها من قبل «وكلاء محليين»، قبل أن تنجح إسرائيل، في جر «أمريكا ترامب»، لمشاركتها في حربها على إيران، التي كادت أن تطيح بالنظام الديني في طهران.
* * *
تعتبر العلاقة بين بلاد فارس والعالم العربي، وعرب الجزيرة تحديدا، قديمة وطويلة ومعقدة، وتعود لما قبل الإسلام بقرون. وبخلاف فترات قصيرة، فإنها كانت دائمة التوتر، الذي وصل لذروته خلال «نكبة البرامكة، وظهور مصطلح «الشعوبية»، التي تعني تعالي الفرس على غيرهم، وإعلاء شأنهم، مقارنة بالترك والكرد والأرمن، وحتى العرب. وكان وراء الحركة مثقفون فرس وموالٍ آخرونٍ، روجوا لحضارة فارس، وسخروا من ثقافة البادية العربية وعاداتها وشعرها، التي دفعت العرب للرد عليها، وإثراء التراث العربي، بمختلف الأعمال، وحتى يهود الدولة العباسية كان لهم دور في ذلك الإثراء، وانتهى التنافس تدريجياً مع اندماج الشعوب في الثقافة الإسلامية.
وإلى مقال الغد.
أحمد الصراف

