: آخر تحديث

الكويت الجديدة وهجرة الأعاجم

4
4
4

كان الحراكان السياسي والاجتماعي في الكويت نشطَينِ منذ عشرينيات القرن الماضي، وأصبحا أكثر حيوية في الخمسينيات، مع وجود نوادٍ أدبية ورياضية وسياسية وجمعيات خيرية، ونفع عام، قبل أن يصدر قرار إغلاقها، لدواعٍ أمنية. من تلك الجمعيات «الإرشاد»، التي أصبحت تالياً «الإصلاح الاجتماعي»، لسان الإخوان، و«النادي الثقافي القومي»، لسان حال القوميين، الذي كان يُصدر «مجلة الإيمان»، وكان يحررها د. أحمد الخطيب وآخرون.

وفي عدد نيسان 1953 (نيسان لأنها كانت تطبع في بيروت)، ورد التالي تحت عنوان «فيلكا وهجرة الأعاجم»، وسبق أن ورد النص في مقال سابق، لكن نعيد التطرّق إليه لأهميته: «يظهر أن خطر هجرة الأعاجم إلى الكويت لن ينتهي بسهولة، وأن الأساليب التي يلجأ إليها هؤلاء في التسرّب إلى داخل البلاد كثيرة ومتعددة، ومنها ما سمعنا به أخيراً، وهو أنهم يفدون في سفن صغيرة تنزلهم في جزيرة فيلكا، حيث يقيمون فيها قليلاً من الوقت، ثم يتسللون بواسطة سفن صيد الأسماك إلى الكويت، ويتراكمون في الدكاكين والعنابر، أو في منازل بني جلدتهم هنا. فعلى المسؤولين أن ينتبهوا إلى هذا الخطر المحدق بهذا البلد العربي، وأن يزيدوا في تدابير خفر السواحل ومكافحة تهريب أعظم خطر يهدّد أمن البلاد وصحتها وأخلاقها وكيانها القومي ومستقبلها».

* * *

نلاحظ من أسماء محرري النشرة أنهم من المعادين سياسياً لجماعة الإرشاد، ومن المتوجسين من الخطر الديموغرافي القادم من إيران حينها، ولا أعتقد أن أغلبية هؤلاء المحررين بقوا على أفكارهم نفسها بعدها بعقود، بعد أن شاهدوا حقيقة الأخطار، التي كانت محدقة بالأمة وكامل وجودها، وطبيعتها المدنية، كما أن نسبة كبيرة جداً ممّن قدموا إلى الكويت في الخمسينيات، وحتى الستينيات، من بر فارس كانوا من الإيرانيين، أو الفرس، غير الشيعة، وهؤلاء تم احتواؤهم داخل المجتمع بطريقة سلسة، أما البقية، الذين حذّرت النشرة من هجرتهم، فقد كانوا، في أغلبيتهم، من أصحاب الحرف والمهارات، مارسوا أعمالهم لفترة، وعادوا جميعاً تقريباً إلى وطنهم، بعد ادّخار بعض المال، ولا شك أن نسبة كبيرة منهم دخلت حينها الكويت بطرق غير مشروعة، وعادوا لوطنهم بالطريقة نفسها، وربما حصل عدد محدود جداً منهم على الجنسية، وما تم كشفه أخيراً من «جرائم تلاعب في الهُوية الوطنية» يدعونا إلى تصديق أي فضيحة تجنيس كانت!

* * *

لا أرى سبباً مقنعاً لعدم ترحيب البعض بالتطرّق علناً إلى مثل هذه المواضيع، مع وصفها بالحساسة، وهذا ما لا أراه فيها. فالكويت كانت دولة مهاجرين، لم ينبت فيها فرد، بل جاءها الجميع، سواء من نجد أو الزبير وجنوب الجزيرة وعُمان وإيران وتركيا العثمانية وبلاد ما بين النهرين، وبالذات الزبير، والبحرين والبادية وغيرها، وكوّنوا مجتمعاً، أصبح دولة مستقلة نصّ قانون الجنسية فيها، رقم 15 لسنة 1959، على أن الكويتي بالتأسيس هو من عاش أو وجد فيها عام 1920 وما قبل ذلك، بصرف النظر عن أصله ودينه ومذهبه وعرقه، سواء قدم إليها مشياً أو قدم إليها على ظهر جمل، من القيصومة (التي أصبحت اليوم شهيرة) أو الزبير، أو جاءها لاجئاً على ظهر مركب متهالك من أحد موانئ أو مدن فارس، حاملاً هموم حياته معه، لينصهر مع البقية في دولة واحدة، لتحاول تالياً بعض الجهات الحاقدة بذر الشقاق بيننا، حيث سُقيت بمياه الجهل والتعصّب الآسنة.

الكويت وطننا جميعاً، وصون حريته وحدوده حق علينا جميعاً، بصرف النظر عن أصولنا، وقد عادت لنا أخيراً، بفضل قيادتنا الرشيدة، ويجب ألا نسمح لأي فرد بتخريب سلمنا الاجتماعي، وضرورة إسكات كل من يطعن في هذه الوحدة، في أي لقاء أو ديوانية، فوحدتنا، كانت دائماً السور الذي حمانا من الأخطار السابقة، والتي ستحمينا من الخطر القادم من الشمال.

الخلاصة: فإن كل من جاء إلى هذه الأرض الطيبة جاء لحاجة ما. وحتى من سبق غيره لها يجب ألا «يتشاوف»، أو يميّز نفسه على غيره، بخلاف أن حاجته كانت أقدم من غيره.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد