تقول كاثي بنهولد، الكاتبة في «النيويورك تايمز»، إن جدتها لا تستخدم غير الأموال النقدية في الحصول على حاجياتها، وكانت ستنسجم مع ساتوشي ناكاموتو، المخترع الأسطوري للبيتكوين، والذي لا يعرف أحد من يكون. وتستطرد بأن ناكاموتو اسم مستعار، فمن هو حقاً؟ حاول الكثيرون كشف هويته، ومن هؤلاء زميلها جون كاريرو، الصحافي الاستقصائي، الذي قال إنه توصل لحقيقة شخصية مخترع البيتكوين، أول عملة مشفرة، التي أدى ظهورها لخلق غيرها، وأن فكرتها طرحت لأول مرة في ورقة بحثية ظهرت في زاوية غير معروفة من الإنترنت عام 2008، وصف كاتبها فيها، الذي عرّف نفسه باسم ساتوشي ناكاموتو، فكرته عن عملة إلكترونية لامركزية تُمكّن الناس من إرسال الأموال في ما بينهم من جميع أنحاء العالم دون رسوم، ودون الحاجة إلى بنوك أو رقابة حكومية. وقد زاد هوس الناس بمعرفة شخصية «المخترع»، وبعد فترة قصيرة، بدأ الشك في حقيقة الاسم، ومع تزايد استخدام البيتكوين، ازداد اهتمامه بحل اللغز، وقضى 12 عاماً، وتوصل لما يقارب الحقيقة، فالبيتكوين تستخدم لأغراض نبيلة، مثل توفير مخزن موثوق للقيمة لسكان الدول ذات العملات غير المستقرة، ولكنها تُستخدم أيضاً لأغراض خبيثة كثيرة لغياب الرقابة، كاستخدام المجرمين لها في عمليات غسل الأموال، وتستخدمها دول مثل إيران للالتفاف على العقوبات. وبسبب عدم سيطرة الحكومات على هذه العملة، وخوفاً من الانتقام القانوني، من دولة مثل أمريكا، فضل استخدام اسم مستعار. كما لم يرغب في أن يتعامل الناس مع البيتكوين كشركة عادية لها منتج ورئيس تنفيذي. بل أراد أن يشعر الناس بأن البيتكوين اكتشافٌ جديد، كالذهب الرقمي، كونها سلعة رقمية اكتُشفت وتُستخرج من صميم الإنترنت، وعدم وجود مؤسس معروف له وجهٌ بشري يُعزز هذه الفكرة. وأن شكوكه انصبت على عالم الحاسوب البريطاني آدم باك، وهو شخصية مؤثرة، وكان، لسنوات، ضمن قائمة المشتبه بهم الرئيسيين، لكن لم ينجح أحد في إثبات ذلك. لكن عندما قام بتحليل كتابات آدم وقارنها بكتابات ناكاموتو، توصل لاكتشافات عدة، أحدها أن كليهما يعاني من خللٍ قهري في استخدام الفواصل والنقاط، بين الكلمات. فهما يستخدمانها في غير موضعها، ويتجاهلانها عندما تتطلب قواعد اللغة استخدامها. وخطر لي أن هذه عادة كتابية يمكننا تتبعها من خلال تحليل أوسع بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وهذا ما فعلته.
لكن آدم لا يزال ينكر ذلك، إلا أنني على يقين بنسبة 95.5%، بأنه الشخص نفسه، وبدا لي إنكاره شكلياً، لرغبته في الحفاظ على السر. ويجب أن أقول إن مجتمع البيتكوين يحمل في طياته نزعة طائفية، ولديهم ملهمهم، ساتوشي ناكاموتو، ولا يريدون لأحد أن ينسب إليه اسماً أو صورة بشرية. ويريدون الاستمرار في اعتبار هذا مشروعاً جماعياً غير هرمي، عملة إلكترونية لا مركزية لا تخضع لسيطرة أحد. أحد شعاراتهم المفضلة هو «كلنا ساتوشي».
كان آدم باك عضواً في مجموعة من الفوضويين المهتمين بالخصوصية في التسعينيات، ومن الذين أرادوا التحرر من سيطرة ورقابة الحكومة، وأرادوا عملة خارجة عن سيطرتها، خشية أن يؤدي تزايد رقمنة المعاملات المالية الحديثة إلى تسجيل كل معاملة إلكترونياً، وأن تستخدم الحكومات هذه السجلات لتتبع الأفراد. لذا، سعوا إلى تجاوز ذلك بإنشاء ما أسموه «النقود الإلكترونية»، وهي نسخة رقمية من النقود المادية التي لا يمكن تتبعها.
يعتقد كاريرو بأن ساتوشي أو باك، قاما بتعدين 1.1 مليون بيتكوين في أول 16 شهراً من المشروع. وحتى يعني أنه يمتلك، بأسعار اليوم، ثروة تُقدر بنحو 82 مليار دولار. وأنه قابل باك مراراً، وهو عكس الصورة النمطية لرجل العملات الرقمية. فهو هادئ الطباع، ومنطوٍ، له شعر رمادي أشعث، ويبدو كعالم حاسوب، من الممتع التحدث إليه. وكانت له في التسعينيات منشورات حول ضرورة العمل تحت اسم مستعار لتجنب إثارة شكوك الحكومة. ويبدو أن هذا شخص كان يخطط لهذا الأمر منذ أمد طويل.
ملاحظة: ما أورده الزميل فؤاد الهاشم، في آخر مقال، بأن الراحل محمد مساعد الصالح كان يتقاضى راتباً من القبس غير صحيح. قضى الصالح 18 عاماً يكتب في القبس من دون أي مقابل مادي. وذكر ذلك في أكثر من مناسبة، لذا اقتضى التنويه.
أحمد الصراف