: آخر تحديث

السعودية والاستقرار الإقليمي.. هدنة لا تُكافئ الفوضى بل تُعيد رسم قواعد الردع

2
3
1

الحراك السعودي الراهن ليس اندفاعًا نحو مواجهة مفتوحة، وليس قبولًا بهدنة رخوة، بل بناء هادئ ومتدرج لقواعد ردع أكثر صلابة، تُسندها دبلوماسية نشطة، ورؤية سياسية بعيدة النظر، وثقة دولة تعرف وزنها جيدًا.. فالسلام خيار استراتيجي، لكنه لا يقوم إلا على احترام السيادة، وكفّ العبث، وإدراك أن استقرار المنطقة ليس منحة لأحد، بل استحقاق يجب أن يُحمى..

في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على الرد، بل بقدرتها أيضًا على ضبط إيقاع الرد، ومنع المنطقة من السقوط في هاوية الفوضى الشاملة. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة التحركات السعودية تجاه تحقيق الاستقرار قبل الهدنة وما بعدها؛ بوصفها تعبيرًا عن سياسة دولة تعرف متى تُشهر الردع، ومتى تُفعّل الحكمة، ومتى تفرض على العالم أن يرى الخطر بحجمه الحقيقي لا بوصفه مجرد "حادثة أمنية" عابرة في إقليم مضطرب.

قبل الهدنة، لم تنظر المملكة إلى الهجوم الإيراني باعتباره تطورًا محدودًا يمكن احتواؤه بخطاب التهدئة وحده، بل قرأته في سياقه الأشمل: تهديد مباشر لسيادة دول الخليج، واعتداء على أمن المنشآت الحيوية، ومساس خطير بالممرات البحرية التي لا تخص المنطقة وحدها، بل تمس الاقتصاد العالمي برمّته. هنا كان الفارق السعودي واضحًا؛ إذ لم تنجر الرياض إلى انفعال سياسي يرفع حرارة المشهد ويمنح الخصم فرصة توسيع دائرة الاشتباك، وفي المقابل لم تُخفّف من طبيعة التهديد أو تتعامل معه كأنه مجرد رسالة عابرة قابلة للتجاهل.

هذه المقاربة السعودية تكشف عن نضج سياسي عالٍ؛ فهي إدارة للأزمة على مستويين متوازيين: مستوى الردع المشروع الذي يؤكد أن أمن الخليج ليس ساحة سائبة، ومستوى ضبط التصعيد لمنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة تبتلع الإقليم كله. وهذا تحديدًا ما يفسر تمسّك الرياض، ومعها المنظومة الخليجية، بحق الدفاع عن النفس، بالتوازي مع التأكيد على الوقف الفوري للهجمات، وحماية الملاحة، وتأمين سلاسل الإمداد، وصون استقرار أسواق الطاقة. فالمملكة لم تكن تُدير معركة أعصاب فحسب، بل كانت تُدير تعريفًا سياسيًا وقانونيًا للأزمة: ما يحدث ليس خلافًا إقليميًا عابرًا، بل تهديد للأمن الاقتصادي والأمني الدولي.

وهذا التعريف بالغ الأهمية.. لأن نقل القضية من خانة "التوتر الإقليمي" إلى خانة "التهديد المنظم للاستقرار العالمي" يعني عمليًا تعظيم الكلفة السياسية والدبلوماسية على الطرف المعتدي، ويمنع اختزال المشهد في ثنائية ضيقة تُفرّغ الاعتداء من أبعاده الحقيقية. فحين تُهدد المطارات والمنشآت النفطية ومحطات التحلية والموانئ، وحين يصبح مضيق هرمز وباب المندب تحت ضغط التهديد، فإن العالم لا يكون أمام أزمة محلية، بل أمام اختبار صريح لسلامة النظام الدولي نفسه.

أما بعد الهدنة، فإن القراءة السعودية تبدو أكثر عمقًا وواقعية. فالمملكة لا تتعامل مع الهدنة بوصفها نهاية للأزمة، ولا باعتبارها شهادة حسن سلوك مجانية، بل تراها فرصة لاختبار النيات، وإعادة بناء قواعد اشتباك أكثر صرامة، تحول دون تكرار الاعتداءات تحت أي غطاء. الهدنة، في الرؤية السعودية، ليست مكافأة للمعتدي، وإنما أداة سياسية لتثبيت الاستقرار ومنع استنزاف الإقليم وإغلاق الباب أمام إعادة إنتاج الفوضى.

من هنا، تبدو السياسة السعودية منسجمة مع خطها الأوسع الذي رسخته خلال السنوات الأخيرة: الحوار والدبلوماسية هما الأصل، لكن ليس على حساب السيادة، ولا على حساب أمن الدول، ولا تحت مظلة تدخلات تُقوّض مفهوم حسن الجوار.. لذلك فإن الرياض تدفع باتجاه خفض التصعيد، لكنها في الوقت نفسه تُصر على أن تكون أي تهدئة مقرونة بالتزامات عملية واضحة، قابلة للقياس والتحقق، لا مجرد استراحة تكتيكية تسبق انفجارًا جديدًا.

وفي تقديري، فإن السؤال الأهم اليوم ليس فقط: كيف تقرأ السعودية لحظة الهدنة؟ بل: على ماذا تراهن في هذه المرحلة؟ والجواب أن المملكة تراهن على معادلة متكاملة، أول عناصرها تثبيت الهدنة وتحويلها من توقف هش لإطلاق النار إلى مسار سياسي وأمني يمنع عودة التهديد بصيغته السابقة.. وثاني عناصرها تثبيت حقيقة أن أمن الخليج لم يعد شأنًا محليًا محصورًا بجغرافيته، بل ملف دولي يرتبط بحرية الملاحة والتجارة العالمية واستقرار الطاقة.. وثالث عناصرها الحفاظ على تماسك الموقف الخليجي، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة أي محاولة لعزل دولة خليجية عن عمقها أو تفكيك الموقف الجماعي.. أما العنصر الرابع، فهو توظيف الرصيد السعودي الدولي بوصف المملكة دولة مسؤولة لا تدعو إلى الحرب، لكنها أيضًا لا تسمح أن يُفهم اتزانها على أنه عجز، أو أن يُقرأ تعقلها بوصفه قابلية للابتزاز.

غير أن الرهان السعودي الأعمق يظل رهانا على فكرة مركزية: أن الاستقرار الحقيقي لا تصنعه القوة الصلبة وحدها، بل تصنعه أيضًا المصداقية السياسية وهيبة الدولة ووضوح الخطوط الحمراء. فالمملكة تدرك أن الخليج لا يمكن أن يبقى منطقة موثوقة للاستثمار والطاقة والتجارة إذا تُرك رهينة إيقاع التهديدات العابرة للحدود. ولذلك فهي لا تبحث عن هدنة شكلية تُؤجل الانفجار، بل عن معادلة جديدة تقول بوضوح إن أمن الخليج غير قابل للمساومة، وإن حماية الممرات البحرية والمنشآت الحيوية واستقرار الطاقة مصلحة عالمية قبل أن تكون مصلحة إقليمية.

لهذا كلّه، يمكن فهم الحراك السعودي الراهن على حقيقته: ليس اندفاعًا نحو مواجهة مفتوحة، وليس قبولًا بهدنة رخوة، بل بناء هادئ ومتدرج لقواعد ردع أكثر صلابة، تُسندها دبلوماسية نشطة، ورؤية سياسية بعيدة النظر، وثقة دولة تعرف وزنها جيدًا. وهذه، في تقديري، هي الرسالة السعودية الأوضح اليوم: السلام خيار استراتيجي، نعم، لكنه لا يقوم إلا على احترام السيادة، وكفّ العبث، وإدراك أن استقرار المنطقة ليس منحة لأحد، بل استحقاق يجب أن يُحمى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد