في عالمٍ اجتماعي تُهيمن عليه أنظمة سلطوية ذات نزعات فاشية، تتشكل الحياة اليومية للإنسان داخل بنية مغلقة من الإقصاء المتدرّج. عالمٌ يبدو، كما لو أنه منظَّم في هيئة دوائر متحدة المركز، لكل دائرة حدودها الصارمة التي تفصل بين «نحن» و«هم». ومع كل انتقال نحو الداخل، تضيق مساحة الانتماء وتتسع رقعة الاستبعاد، حتى نبلغ النواة الصلبة: الفرد ذاته، أو العائلة، أو الجماعة الأكثر التصاقاً بهويته الضيقة.
هذا التنظيم الاجتماعي لا يقوم على التعدد، بل على التمييز. كل دائرة تُعرّف نفسها بنفي ما عداها، وتُقيم حواجز نفسية وثقافية تعزل «الآخر» وتُقصيه من المركز. وهكذا تتكاثر مستويات الإقصاء، من المجتمع إلى الطائفة، إلى القبيلة، إلى العائلة، وصولاً إلى الفرد الذي يرى نفسه «مختاراً» ومختلفاً، سواء بدينه أو عرقه أو انتمائه.
في هذا السياق، يبرز نموذج «المحافظ الزائف»، كما يصفه ثيودور أدورنو، أحد أبرز مفكري مدرسة فرانكفورت. هذا الفرد، رغم ادعائه التمسك بالقيم، يكشف تمركزه العرقي والطائفي عن نزعة تتعارض جوهرياً مع مبادئ الديموقراطية. فهو يميل إلى الخضوع للسلطة، لا بوصفها خياراً واعياً، بل من خلال آليات نفسية خفية مثل الإزاحة والإسقاط، حيث تُحوَّل مشاعر القلق أو العجز إلى عداء تجاه جماعات خارجية.
السلطة هنا لا تُختزل في الدولة أو الحاكم، بل تتجلى في أشكال متعددة: شيخ الطائفة، كبير العائلة، زعيم القبيلة، أو رئيس الحزب. إنها بنية ممتدة تتغلغل في النسيج الاجتماعي، وتُعيد إنتاج نفسها عبر علاقات الولاء والطاعة.
في عمله الشهير الشخصية التسلطية، الذي أنجزه في الولايات المتحدة بمشاركة فريق من الباحثين، يقدّم أدورنو تشريحاً دقيقاً لهذه الظاهرة. من خلال دراسات واستبيانات معمقة، يكشف عن «أورام الأنا» التي تُغذّي الشخصية التسلطية، ويبيّن أن السمة الجوهرية للأيديولوجيا المتمركزة عرقياً هي رفض الآخر. فالفرد الذي لا يستطيع تعريف ذاته إلا من خلال الانتماء الضيق، يرى في كل جماعة خارجية تهديداً وجودياً. وإذا لم تكن «مقبولة»، فهي بالضرورة «غريبة»، بل وربما «عدوّة».
بهذا المعنى، يصبح التمييز بين الداخل والخارج هو المحرك الأساسي للتفكير الاجتماعي، وتتحول الهوية إلى أداة إقصاء بدلاً من أن تكون مساحة تلاقٍ.
غير أن قراءة أدورنو لا تقف عند حدود التشخيص، بل تفتح أفقاً نحو التحرر. فكما يفتح الجراح الماهر جسد المريض ليكشف مواضع العلّة، يفتح أدورنو بنية الشخصية التسلطية، ليُرينا الطريق نحو قيم أكثر إنسانية: التسامح، والمساواة، والحرية، والعدالة.
إنها دعوة لإعادة التفكير في الذات قبل الآخر، وفي بنية المجتمع قبل اتهام أفراده. فالتسلطية ليست مجرد نظام سياسي، بل نمط تفكير وسلوك، يبدأ من الداخل، من تلك الدوائر الصغيرة التي نرسمها حول أنفسنا، ونحرسها بالخوف والريبة.
ولعل الخروج من هذا النفق يبدأ بكسر تلك الدوائر، دائرةً بعد أخرى.

