محمد بن عيسى الكنعان
مع أول طلقة رصاصة في الحرب الإيرانية - الإسرائيلية الأمريكية تبنّى الجانب الإيراني على المستويين الرسمي والإعلامي سردية محددة في تبرير استهداف الدول الخليجية بالصواريخ الإرهابية والمسيرات الإجرامية، حتى إن الشخصيات الإيرانية التي تمت استضافتها من قبل قنوات الإعلام العربي كانت تتحدث عن تلك الاعتداءات بوقاحة وثقة وفق هذه السردية، وتعزف على وتر الحق برد العدوان باستهداف القواعد الأمريكية، بل حتى بعد أن طالت تلك الاعتداءات منشآت مدنية خليجية (مطارات، وفنادق، وغيرها)، استمر الإيراني في التبرير بأنه يستهدف المصالح الأمريكية.
هذه السردية المتهافتة لا يمكن قبولها بأي حال من الأحوال ممن يملك عقلًا، ويتحدث بمنطق الأشياء؛ كونها تسقط أمام ثلاث حقائق تاريخية وواقعية، الأولى تتعلق بحقيقة الصراع مع إسرائيل، والثانية تتعلق بواقع إيران في الوطن العربي، والثالثة تتعلق بمسألة الوجود الأمريكي بالخليج.
فإذا كان الإيرانيون يتغنون بأن صواريخهم ضربت إسرائيل ومسيراتهم هاجمتها في محاولة لتزييف وعي الرأي العام العربي بأن إيران الداعم الأول والفعلي للقضية الفلسطينية، فإن ذلك لا يُغير من حقيقة أن القضية الفلسطينية بالنسبة للنظام الإيراني مجرد ورقة سياسية باسم (المقاومة) تلعب بها لاختراق الوطن العربي، والسيطرة على دوله كما حدث في سيطرتها على أكثر من عاصمة عربية.
ودلالة ذلك الوجه الآخر المخفي، وهو ما فعلته إيران عبر ميليشياتها التابعة في حصار المخيمات الفلسطينية بلبنان بين عامي 1985 - 1987م، أو في تهجير الفلسطينيين من حي البلديات في بغداد بالعراق عام 2003م إلى مخيمات الضياع، ومنها إلى دول الشتات الأوروبي، حتى تقلص عددهم من 35 ألفا إلى أربعة آلاف فلسطيني، أو في قتل وتشريد أكثر من 500 ألف فلسطيني في مخيمات اليرموك، ودرعا، وحمص، والوليد بسوريا عام 2011م. بل أين هذه الصواريخ والمسيرات الإيرانية عن غزة، التي كانت محاصرة لمدة 4 سنوات، وعندما وقع هجوم (7 أكتوبر) من قبل حماس ضد إسرائيل أعلنت إيران أنه ليس لها أي علاقة بهذا الهجوم. بل حتى المفاوضات الأخيرة التي جرت في باكستان بين الإيرانيين والأمريكان لم تأتِ بذكر فلسطين أو حتى غزة، بينما اعتبرت لبنان ضمن أي اتفاق حمايةً لـ(حزب الله).
أما الأسطوانة المشروخة بأن صواريخ إيران ومسيراتها العدوانية التي تطلقها على دول الخليج العربي هي لرد العدوان الأمريكي بضرب قواعده العسكرية ومصالحه في الخليج، فإن التاريخ يُكّذب ذلك، فالسلوك الإيراني المجرم سابق على هذه المسألة، فالقواعد الأمريكية لم توجد في بعض دول الخليج إلا العام 1991م، وتمت وفق اتفاقيات عسكرية سيادية تخص هذه الدول، ولا تعني أنها موجهة لإيران أو غيرها، بل العكس وجود هذه القواعد جاء نتيجة للسلوك الإيراني في المنطقة، فإيران هي من مارس تصدير الثورة، ودعم جماعات متطرفة في دول عربية، بل وقامت بأعمال إرهابية في الخليج، وبالذات خلال الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي كتفجيرات في منشآت حيوية بالكويت، واستهداف ناقلات نفط كويتية، واختطاف الطائرة الكويتية، ومحاولة اغتيال أمير الكويت، والمتفجرات المضبوطة خلال موسم الحج عام 1406هـ، وأحداث الشغب بموسم الحج، واحتلال السفارة السعودية في طهران العام التالي، واستهداف منشآت نفطية سعودية، وكذلك استهداف دبلوماسيين سعوديين في باكستان.
هذه أمثلة وليست كل العمليات الإرهابية الإيرانية قبل وجود قواعد أمريكية! وإذا كان مبرر العدوان على دول الخليج هذه القواعد فلماذا إيران لا تستهدف حاملة الطائرات الأمريكية القريبة من المياه الإيرانية، أو القواعد الأمريكية في تركيا وأذربيجان، مع أن القواعد الأمريكية في الخليج لم تنطلق منها رصاصة واحدة، ما يعني أن المسألة لا تعدو كونها غطاءً للاعتداءات الإيرانية على الدول الخليجية التي تعرضت لها بنسبة (85 %) مقابل (15 %) أطلق على إسرائيل المعتدية عليهم، ثم يزعمون إنهم يحاربونها. فضلًا عن أن الاعتداءات الإيرانية لم تكن موجهة أصلًا لهذه القواعد كما يزعمون؛ بل إلى مصالح ومنشآت حيوية ومدنية خليجية من مطارات، وفنادق، ومحطات كهرباء، وغاز وغيرها. وهذا ليس له إلا تفسير واحد أن النظام الإيراني يريد أن تتحمل دول الخليج التكلفة، وأن تخسر ما حققته من تفوق تنموي وحضاري، وأن تتراجع مؤشراتها المرتفعة في المعايير العالمية.
الأمر الثالث الذي ينقض السردية الإيرانية، ويكشف تهافتها، وهشاشة حجتها، فهي حقيقة واقع إيران في الوطن العربي وعلاقتها بدول الجوار، وهو واقع مخزي، وجيرة سُوء؛ فإذا كان المشروع الإسرائيلي (الصهيوني) يهدف إلى احتلال دول عربية في إطار حكم (إسرائيل الكبرى)، فإن مشروع إيران (الصفوي) يهدف إلى الهيمنة على الدول الخليجية والعربية، وأن تتحكم في علاقاتها الدولية كم فعلت بالسيطرة على أربع دول عربية جرّت الخراب والفوضى لشعوبها، وهي (لبنان واليمن والعراق وسوريا قبل سقوط الأسد)؟ بل شاركت إيران بشكل فعلي بقتل شعبها وارتكاب المجازر كما في العراق وسوريا. لهذا ليس خيالًا عندما نقول أو ندعي إن المشروع الإيراني أسهم بشكل كبير في تمدد المشروع الصهيوني، فإيران عملت على إضعاف الحكومة الوطنية بأكثر من دولة عربية ما سبب الفوضى ونشر الخراب والضعف الهيكلي للدولة.

