لا تنتهي آثار الحروب بانتهاء الحروب نفسها، بل أحيانًا تكون نهاية الحرب هي نفسها بداية لحرب أخرى قد تكون أشد ضراوة وأكثر قسوة، رغم أنها لا علاقة لها بالأسلحة والعسكر والدمار، بل لا علاقة لها بكل العنف الذي تنتهجه الحروب، فهي، أي الحرب الجديدة ورغم أنها ليست عسكرية إلا أن آثارها أشد قسوة وأكثر تأثيرًا.
غالبًا وفي أغلب الحروب لا يوجد من يخرج ويعلن هزيمته (إلا نادرًا)، فالنصر يتبناه الجميع، والهزيمة لا أم لها ولا أب، ولكن ورغم كل ما يدعيه أي طرف، تبقى الكلمة الفصل للواقع، ويبقى هناك من يفرض الشروط وهناك من يقبلها، أو يبقى هناك طرف تعود حياته لما كانت عليه قبل الحرب وربما أفضل، وطرف آخر يعيش آثار تلك الحرب لسنوات وربما عقود قادمة، فالواقع لا علاقة له بما نحب ونكره أو بما نعلن وننكر.
رأيت كما غيري مسيرات النصر الشعبية في إيران التي انطلقت بمجرد سريان الهدنة، ورأيت وسمعت وقرأت كما غيري ما تقوله إيران ومن لف لفها ومنذ اليوم الأول للحرب عن النصر الإيراني المبين وعن القوة العظيمة التي لا يستطيع أحد الوقوف في وجهها، وعن تلك الملاحم التي سطرها الحرس الثوري، والمهم عن الواقع الجديد الذي ستخلقه إيران باعتبارها القوة التي سيركع أمامها مستقبلًا كل سكان الإقليم، ولكني ومن جهة أخرى ومعي أغلب سكان هذه المنطقة، رأيت أيضًا حجم الدمار الذي وقع عليها، ورأيت كيف أن (لاءات إيران) كانت تتحطم واحدة تلو الأخرى، من (لا) للهدنة و(لا) للمفاوضات إلى بقية اللاءات، ورأيت كيف خفضت دول الخليج من فاعلية السلاح الإيراني حتى لم يتجاوز تأثيره الـ 5 إلى الـ 8 بالمئة، وهذا واقع موجود وقائم رغم أنف البروباغندا الإيرانية.
ستنتهي الحرب، هذا أمر لا خلاف عليه، فكل ما له بداية له نهاية، وهذه الحرب ليست استثناء لقانون الطبيعة، ولكن المشكلة عند الإيراني ستبدأ مع نهاية الحرب بشكل كامل وتام، ستبدأ عندما يفيق للواقع الجديد في الإقليم الذي صنعته يداه، وعندما يدرك حجم الحماقة التي ارتكبها.
فصحيح أن دول الخليج لم ترد عسكريًا (رغم إمكاناتها)، ولكن هذا لا يعني أبدًا أنها ستنتهج نهج (عفا الله عما سلف) ولا يعني أبدًا أنها يمكن أن تقبل عودة الأمور لما كانت عليه قبل الثامن والعشرين من فبراير، لا من الناحية السياسية ولا العسكرية ولا التجارية ولا حتى الدبلوماسية، فإيران قطعت (كل) ما كان يربطها بدول الخليج، وسارت في طريق لا يمكن العودة منه، طريق ستبقى آثاره عالقة بها لسنوات طويلة قادمة.
فمثلًا لا يمكن لإيران أن تتوقع بقاء تلك الرئة الاقتصادية التي كانت تتنفس منها رغم العقوبات، والتي كانت موجودة منذ أيام حرب الخليج الأولى، الرئة التي أعطتها إياها الإمارات عن طريق توفير نافذة لمنتجاتها وصناعاتها وسلعها، نافذة تُدخل عليها 20 إلى 30 مليار دولار سنويًا من العملة الصعبة التي كانت تستعملها لتوفير احتياجاتها، أو لا يمكنها توقع الرئة الأخرى التي كانت تعطيها إياها المملكة العربية السعودية وقطر، وأقصد الرئة السياسية والدبلوماسية، والتي جنبت إيران الكثير من المصائب.
ستفيق إيران من سكرتها على هذا الواقع، ستنتبه حتمًا إلى المصيبة والكارثة التي سارت إليها بإرادتها، وستكتشف أن هناك واقعًا جديدًا مؤلمًا بانتظارها، حين ترى صندوق تعويضات قانوني ودولي يُلزمها بتعويض كل ما تسببت به من دمار وخراب، بل وكل ما نتج عن ذلك الدمار والخراب، وحين ترى وجود قيود على صناعاتها العسكرية والصناعات المدنية المزدوجة الاستعمال، وحين ترى نفسها في عزلة سياسية ودبلوماسية، فدول الخليج لن تكتفي هذه المرة بتطمينات إيرانية أو حتى دولية، بل ستتأكد ليس من عدم وجود رغبة إيرانية لمهاجمتها، بل من عدم وجود قدرة إيرانية لفعل ذلك.
هناك واقع جديد بانتظار الإيرانيين، سيكون مريرًا وصعب الهضم بالنسبة لهم، لكنه واقع لا يمكنهم تغييره، ولا يمكنهم فعل شيء حياله، فاعتداؤهم موثق ومتفق عليه عالميًا، فمملكتنا الغالية كانت تعرف ماذا وكيف ومتى تعمل عندما استخرجت قرار مجلس الأمن رقم 2817، وعندما أكدت عليه بالعديد من الرسائل لمجلس الأمن، وعندما ألحقته بقرار مجلس حقوق الإنسان، فهذا أساس قانوني قوي لإجبار إيران على التعويض.
سيستفيق الإيرانيون قريبًا على واقعهم الجديد، بلد مدمر، وجيران يوصدون الأبواب في وجوههم، واقتصاد منهار لا يمكن أن ينمو وهناك صندوق تعويضات كبير يجب عليهم ملؤُه، حينها فقط سيجلسون ضاربين كفًا بكف وهم يرددون (يا ليل ما أطولك).

