: آخر تحديث

إِنْ أُعدمت العلوم الإنسانية فأبشروا بالجهل!

6
7
7

من حينٍ لآخر يُثار سؤال أزمة التعليم، وما هي استراتيجية الدولة في رسم أهداف المخرجات التعليمية، وما موقع العلوم التطبيقية والطبيعية بموازاة العلوم الإنسانية مثل علم النفس والاجتماع والتاريخ والأدب والأنثروبولوجيا؟! الدولة والجامعات الكبيرة يجب أن تفعل ماذا، وأي جيل من الخرّيجين تريدهم في المجتمع؟!

قبل أيام ثار هذا الجدل في السعودية إثر أخبار مُتداولة عن إلغاء أقسام التاريخ والتربية وغيرها من التخصصات في بعض الجامعات، بين مؤيد لهذا الإلغاء ومعارض له. المؤيدون للإلغاء تجتمع حُجّتهم في أن «سوق العمل» لا يحتاج هذه التخصصات النظرية و«الفلسفات الزايدة».

المعارضون للإلغاء يقولون إن إلغاء هذه العلوم يعني إضعافاً للفكر والتربية العقلية النقدية وتعميم السطحية.

الحالُ أن هذا الجدل ليس جديداً ولا خاصاً بالحالة السعودية، ففي مصر دعا الرئيس السيسي قبل فترة إلى إلغاء التخصصات «إللّي مالهاش لازمة» والنظر لحاجة سوق العمل فقط.

المُشكلة مُضاعفة في العالم العربي حتى في أعرق الصروح بالعلوم الإنسانية مثل الجامعة الأميركية ببيروت، وقد كتب بشار حيدر أستاذ الفلسفة في هذه الجامعة مقالة عن هذه المسألة على منصّة «درج» قدّم فيه مقارنة لافتة ذاكراً أنّه: «من بين ما يقرب من 1700 شهادة بكالوريوس مُنحت في الجامعة الأميركية في بيروت عام 2018، كان اثنان فقط منهم في التاريخ، أي بنسبة صفر في المائة. أما في جامعة هارفارد مثلاً، بلغت نسبة شهادات البكالوريوس التي مُنحت في التاريخ 9 في المائة في العام نفسه». لكن هذه المشكلة - رغم الفارق لصالح أميركا - موجودة بأميركا.

نقل الكاتب الأميركي نوح سميث عن أستاذ التاريخ بجامعة واشنطن البروفسور بنيامين شميدت في ورقة له أن «التخصصات الإنسانية كانت تحظى بشعبية هائلة في عقد ستينات القرن الماضي المزدهر اقتصادياً، وعاودت الهبوط مرة أخرى في عقد السبعينات مع التباطؤ الاقتصادي المعروف وقتذاك».

ضعف العلوم الإنسانية يعني تقديم المتخصصين التقنيين الجزئيين في الشأن العام، وتراجع التفكير النظري المتعمق الذي هو وحده - وليس الطب أو الهندسة أو علوم البرمجة وما شابه - من يكشف واقع المجتمع وكيفيات تشكّل الهُويّة وتحديد معالمها.

مثلاً هل سيكون الطبيب أو المهندس هو من يخبرك من أنت ومن أين أتيت وإلى أين تذهب؟ أتحدث عن المجتمعات وليس عن الفرد.

جُلّ قادة جماعة «الإخوان المسلمين» - مثلاً - هم من المهندسين والأطباء والمحاسبين، وليس من علماء التاريخ والاجتماع وبقية العلوم الإنسانية، وهذا لا يعني أنه لم يوجد من أصحاب هذه التخصصات من انخرط معهم، لكن الحديث عن الأغلب.

ما هو الحلّ؟

التطوير لهذه التخصصات، ورفض تحويلها إلى مصرف للضعفاء من الطلبة، الذين لم يجدوا قبولاً في كليات الطب والهندسة وأمثال ذلك.

وأمرٌ آخر، هو رعاية صناديق خيرية ووقفيات داعمة، مؤمنة بقيمة وجوهرية هذه العلوم، وربط هذه العلوم بالتطورات التكنولوجية الموجودة وعدم الغياب عنها.

هذا أو أبشروا بأجيالٍ مغرقة في الفراغ والعنجهية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد