: آخر تحديث

هرمز... مضيق يهمُّ العالم بأسره

4
6
6

مضيق هرمز الذي كان يوصف بشريان العالم في الأدبيات الجغرافية باتَ اليوم أكثرَ بؤرة توتر بحري، تشتبك فيها مفاهيم الحرب والاقتصاد والسياسة، وبالطبع التوصيف القانوني، بعد أن أثارت تصرفات نظام طهران بشأن المضيق استهجاناً عالمياً؛ لأن هذا يعدُّ، ببساطة، انتهاكاً لأبسط حقوق حرية الملاحة الدولية.

نحن أمام تحول كبير في طبيعة الصراعات الدولية، بدءاً من التوصيف، مروراً بطبيعة الصراع ومدته، وتأثيره خارج أطراف النزاع، وصولاً إلى معادلات التكلفة من البشر إلى الاقتصاد، ومن الجغرافيا إلى الاقتصاد. هذا التحول مثير للقراءة من زاوية تغير مفهوم الحرب، حيث باتت الأسلحة لا تقاس بقوة تأثيرها، وإنما بقدرتها على إحداث الفارق على مستوى التكلفة.

ومن التحولات أيضاً حضور المسيّرات الرخيصة، والهجمات السيبرانية لمجموعات صغيرة مختبئة في مكان مقفر إلا من الاتصال بالإنترنت، ثم الألغام التي تُحقن في الممرات المائية الدولية ليصل تأثيرها إلى كل العالم بالمعنى الحرفي للجملة.

الحرب الجيواقتصادية عنوان المرحلة والورقة الرابحة التي تلعبها طهران في الموجة الثانية من المواجهة، التي صعد فيها مضيق هرمز ليتصدر الشاشات، ويصبح العنوانَ العريض للأزمة، حيث لم يكد يتحدث الآن أحد عن تصدير الثورة والأذرع الميليشياوية، ولا حتى نسب التخصيب، والحديث كله الآن حول هذا الممر العالمي الحيوي الذي يضخ الحياة لشعوب الأرض.

هل التلويح بسلاح الاقتصاد أمر حادث وجديد على عالمنا؟ بالطبع لا؛ فقد عرف العالم ذلك منذ الحرب العالمية الثانية. وبحسب أحد أهم علماء الاقتصاد والاجتماع ألبرت هيرشمان فإنَّ العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945، ودع الحياد على مستوى العلاقات التجارية.

اليوم، العالم مهدد بسلاح جديد وفتاك وسريع التأثير وهو التحكم في سلاسل الإمداد، وأصبح، مع ما نشهده من توترات حول مضيق هرمز، أمضى من أسلحة الردع التقليدية، بسبب التأثير المباشر لتعطيل حركة الملاحة، وما ينتج عنه من تأثيرات سلبية على أسواق الطاقة والغذاء والتقنية، وبالتالي تآكل الثقة التي يقوم عليها الاقتصاد الدولي كمنظومة تعاون متكاملة.

الأدهى والأَمَرّ أن عسكرة نقاط الوصل بين أجزاء العالم (الموانئ والممرات) تأتي في وقت تعيش فيه كثير من دول العالم حالة انهيار اقتصادي وفشل لمفهوم الدولة. وهذا بالضرورة يؤدي إلى زعزعة الاستقرار، إضافة إلى عدم وجود حالة اكتفاء ذاتي بالمعنى الذي يتيح خيار العزلة، حتى في أكثر البلدان ابتعاداً عن الحروب وتأثيراتها؛ لأن العالم أصبح أكثر ارتباطاً ببعضه البعض.

لذا فإنَّ إعادة إحياء منظومات حوكمة سياسية ومالية أياً تكن المسميات باتت ضرورة وجودية لتحقيق الأمن الجماعي الذي يتطلب بناء تحالفات بين الدول القوية والمؤثرة والفاعلة، لبناء التكامل والاستقرار والتنمية بعيداً عن استراتيجيات المقامرة التي يدفع العالم ثمنها اليوم.

تعكس التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة محاولة لاحتواء الموقف، لكن دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؛ حيث أعلنت القيادة المركزية الأميركية عبور مدمرتين صاروخيتين إلى الخليج العربي ضمن مهمة أوسع لتأمين الممر الملاحي وإزالة الألغام، وكان تصريح قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر لافتاً، حين تحدث عن إنشاء ممرات آمنة لضمان استمرار تدفق السلع.

للأسف، نحن أمام عقيدة بحرية إيرانية تشكلت منذ 1988، حين دمرت القوات الأميركية جزءاً كبيراً من أسطولها خلال معركة استمرت يوماً واحداً، وحين تخلت طهران عن أي محاولة للمنافسة لتستعيض عن ذلك ببناء استراتيجية لعمليات غير متكافئة، هدفها السيطرة على الشحن التجاري، وهذا ما سيشكل نقطة ضعف أمام انسيابية الملاحة الدولية، خصوصاً مع بقاء هذه العقيدة القائمة على «التكلفة» من خلال خلق الفوضى.

مضيق هرمز هو اختبار للعالم أجمع من أجل التكاتف، وكسر حالة الاختطاف هذه. ومن هنا فإن العودة إلى العمل الجماعي والمؤسساتي عبر تحالف متكامل للدول المعنية والمتضررة، خصوصاً بالتعاون مع دول المنطقة أحد أهم الحلول المتاحة بعيداً عن رهانات التفاوض وسجالات التهديد، أو القبول بالأمر الواقع وشرعنة «الإتاوة»، وحتى التلويح بالتشارك فيها على طريقة توزيع الغنائم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد