: آخر تحديث

الحرب والتفاوض بين الغموض والوضوح

3
4
4

خالد بن حمد المالك

تضارب الأخبار وتناقضاتها حول المفاوضات بين أمريكا وإيران، تضعنا بين مصدِّق ومكذِّب، مع أن تصريح الرئيس الأمريكي ومثله تصريح رئيس البرلمان الإيراني لا يلغيان رغبة أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في إجراء مقترح المفاوضات بأمل الاتفاق على إيقاف القتال.

* *

ولكن مع ضراوة القتال بعد تصريح الرئيس الأمريكي، والنفي الإيراني لإجراء أي تفاوض، وقرب انتهاء مهلة الأيام الخمسة التي حدَّدها الرئيس الأمريكي، هناك تخوّف من أن يكون العناد والمناورات هما سيدا الموقف.

* *

فإيران تقول إن ما صرَّح به الرئيس الأمريكي لا يعدو أن يكون محاولة منه لكسب الوقت، ولإيقاف الصعود المستمر في أسعار النفط، وإسرائيل التي سرَّبت الشروط الأمريكية الإسرائيلية لإيقاف القتال وبدء المفاوضات تستبعد أن توافق طهران على هذه الشروط الأمريكية.

* *

وإيران تتحدث عن شرطين أساسيين لإجراء المفاوضات لم يردا في الشروط الأمريكية التي وافقت عليها إسرائيل، وهي أن تتعهَّد أمريكا وإسرائيل بعدم العودة إلى القتال مرة أخرى، وأن يتم تعويضها عن الخسائر التي لحقت بها جراء الهجوم عليها، فيما تصف واشنطن هذه الطلبات بأنها سخيفة.

* *

وبدلاً من التهدئة خلال الأيام الخمسة التي حددتها أمريكا لتبدأ بعدها المفاوضات، فقد تم التصعيد على كل الجبهات، وارتفعت الخسائر، خلاف ما يدعيه الرئيس ترامب بأنه قضى على إيران، وأنه انتصر في هذه الحرب.

* *

لا نعرف ماذا يجري في الخفاء، فكل الأطراف الثلاثة تعبت من الحرب، وأنهكها القتال، وتعرَّضت إلى خسائر كبيرة، وامتدت آثار الحرب إلى الإضرار بالاقتصاد العالمي، ما يجعل في استمرارها بمثابة التفريط بكل الفرص لإيجاد حلول لإيقافها.

* *

ولا نعتقد أن الحرب هي الوسيلة الوحيدة لإنهاء قوة إيران، ولا القوة المفرطة قادرة على تلبية مطالب أمريكا والعالم، وإنما بالدبلوماسية والحوار الجاد، يمكن تفكيك المفاعل النووي، والحد من تصنيع واستخدام الصواريخ بعيدة المدى، وإيقاف نشاط إيران وتدخلها بالدول العربية، وتحديداً في العراق ولبنان واليمن.

* *

ومن المؤكد أن هذه الحرب بنتائجها، وحجم خسائرها، ومع انتهاء حركة حماس، ومثلها حزب الله من القوة والتنظيم التي كانتا تتمتعان بهما بدعم من طهران، وكلها تساعد على إقناع إيران بأن الوقت لا يمضي لصالحها، وأن عليها أن تكون أكثر مرونةً في القبول بما هو مطروح أمامها لوقف القتال، فإن الاحتمالات واردة لقبول إيران ببدء المفاوضات.

* *

وعلى أمريكا أن تتفهَّم أنها بقوتها الضاربة لم تتمكَّن حتى مع دعم إسرائيل من منع إيران من الوصول إلى أهدافها في إسرائيل وفي القوات والقواعد الأمريكية بالمنطقة، ما يعني أن تتفاهم مع إيران على حلول مقنعة، بعيداً عن الضغط الإسرائيلي، وسياسة نتنياهو.

* *

لقد أخطأت إيران باعتدائها على دول مجلس التعاون، مع أنها لم تكن طرفاً في الحرب، ولها مساعيها قبل الحرب وخلال القتال في التهدئة، والدعوة إلى الاتجاه التفاوضي الدبلوماسي، دون وجود مبرر لهذا الاعتداء السافر.

* *

وما هو ملاحظ أن الاعتداء على دول المجلس شمل المملكة مع أنه لا يوجد على أراضيها قواعد أمريكية، ولم تسمح بعبور أي طيران أو مسيَّرات وصواريخ للاعتداء على إيران عبر أراضيها، كما أن الاعتداء على دول الخليج الأخرى كان على الأهداف المدنية من مطارات وموانئ ومساكن ومواقع إنتاج النفط وغيرها، وليس على القواعد الأمريكية.

* *

أكثر من ذلك، فإن المملكة ودول الخليج تعرَّضت لاعتداءات إيرانية بالمسيَّرات والصواريخ أكثر مما تعرَّضت له إسرائيل، ولولا الجهوزية العالية، والإمكانات الكبيرة لدى هذه الدول في التصدي واعتراض الصواريخ والمسيَّرات لكانت الأضرار بها قد بلغت حداً كبيراً.

* *

وما يسجَّل بالتقدير للمملكة ودول الخليج أنها نأت بنفسها عن هذا القتال، ولم تنجر للانخراط بهذه الحرب، رغم محاولة إيران، ورغم الآلاف من المسيَّرات ومثلها من الصواريخ التي تعرَّضت لها، مكتفيةً بالتصدي واعتراضها، وهو ما لم تقدِّره إيران.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد