: آخر تحديث

كيسنجر... العقل الغائب وقت الضرورة

4
5
4

في اللحظة التي يتقدم فيها ضجيج المدافع على همس القنوات الخلفية، يبدو العالم كمن فقد ذاكرته الدبلوماسية، أو كأنه تخلى طوعاً عن آخر حكمائه.

إن كل انفجار، وكل صاروخ، وكل تهديد، يبدو الآن منفصلاً عن العقل الذي يحكمه، وكأن البشرية تراجعت إلى مرحلة الصراع الخام؛ صراع خارج أي معادلة معقولة، وخارج أي رقابة للمنطق أو الحساب.

هنا يطل اسم هنري كيسنجر، بوصفه عقلاً غائباً عن اللحظة الراهنة، كان يعرف كيف يضع سقفاً للحرب، وكيف يحولها من انفجار مفتوح إلى أداة محسوبة داخل معادلة توازن معقدة.

رجل لا يكتفي بمراقبة الأحداث، وإنما يصنع مساراتها، يجلس في الغرف الخلفية نصف المظلمة، ينقل الدبلوماسية من مستوى الشعارات إلى مستوى الواقع الصارم.

ولد كيسنجر عام 1923 في ألمانيا، وهاجر إلى الولايات المتحدة هرباً من النازية، ثم صعد ليصبح أحد أهم العقول الاستراتيجية في القرن العشرين، وشغل منصب مستشار الأمن القومي، ثم وزير الخارجية بين 1969 و1977 في عهدي ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد. لم يكن مجرد مسؤول، وإنما كان مدرسة قائمة بذاتها، تعرف بدبلوماسية الخطوة خطوة، حيث تحل الأزمات تدريجياً، ويعاد تركيب التوازنات بعناية، من دون صدمات كبرى، مع فهم دقيق لطبيعة كل طرف، وحساسية لكل تحرك، وبصيرة لا تخطئ في قياس حجم الخطر وتأثيره على الاستقرار العالمي.

بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، تجلت عبقرية كيسنجر في الدبلوماسية المكوكية؛ حيث تنقل بين القاهرة وتل أبيب ودمشق، ليس لإنهاء الصراع، وإنما لإدارته، وإبقائه تحت السيطرة، ومنع تحوله إلى حرب شاملة بين القوى الكبرى.

إن كل لقاء، وكل رسالة، وكل وساطة، كانت جزءاً من شبكة دقيقة من التوازنات، أسفرت عن اتفاقيات فك الاشتباك بين مصر وإسرائيل، ومهدت الطريق لاتفاقيات أوسع.

هنا نموذج العقل الذي يعرف أن الحرب ليست مجرد انفجار، وإنما فن إدارة القوى؛ فن الموازنة بين النفوس والمصالح، وفن استباق الفوضى قبل أن تتحول إلى كارثة لا رجعة فيها.

لم يكن مثالياً، وكان واقعياً إلى حد القسوة. أحد أبرز منظري الواقعية السياسية، يرى العالم كما هو، لا كما يجب أن يكون، يؤمن بأن توازن القوى هو الضامن الوحيد للاستقرار، وأن الشعارات والنوايا وحدهما لا تصنعان الأمان، لذلك انفتح على الصين الشيوعية في ذروة الحرب الباردة، ومَهّد لزيارة نيكسون التاريخية إلى بكين عام 1972؛ خطوة أعادت تشكيل النظام الدولي، ومهدت لتوازن جديد بين القوى العظمى، من دون صدام مباشر، ومن دون انهيار شامل.

على صعيد آخر، لعب دوراً محورياً في إنهاء حرب فيتنام، حيث قاد المفاوضات السرية مع الفيتناميين الشماليين، وأعدّ اتفاق باريس للسلام عام 1973، الذي أنهى التدخل الأميركي المباشر، وخلق مساراً لتقليص العنف وإعادة التوازن الإقليمي.

لم يكن اتفاقاً على الورق، وإنما كان درساً في كيفية إدارة حرب مستعصية، ودرساً في الصبر التكتيكي، ودرساً في القدرة على قراءة نوايا الخصم، ودرساً في خلق شبكة معقدة من القنوات الخلفية التي تمنع الانهيار الكامل للمعادلة الاستراتيجية.

كان يرى أن حربي أفغانستان والعراق، ستواجهان مخاطر مشابهة للتوسع غير المحسوب، وأن الاستراتيجية الفعالة تأتي من الإدارة الحكيمة للصراع، واتباع القانون الدولي والنظام الدولي، ومن ضمان الاستقرار، وكان لا يعتبرها رفاهية أخلاقية.

ما نفتقده اليوم ليس كيسنجر الشخص، وإنما منطق كيسنجر، ذلك الإيمان بأن الحروب يجب أن تدار عبر قنوات اتصال خلفية بين الأطراف، حتى بين الأعداء، وأن احترام القانون والنظام الدولي ليس رفاهية، وإنما شرط أساسي لاحتواء الفوضى، ومنع التحولات غير المحسوبة من الانفجار إلى كارثة شاملة.

اليوم، في زمن الحروب الهجينة، حيث تختلط الطاقة بالجغرافيا والممرات البحرية بالسيطرة السيبرانية، يبدو المشهد أقرب إلى فوضى بلا مهندس، وصراع بلا مدير، وصعود بلا سلم نزول، كأن العالم فقد مهارة الاحتواء، واستبدلها بمنطق الكسر الكامل؛ فكل قرار متأخر، وكل تحرك متهور، يضيف طبقة جديدة من الفوضى، ويزيد احتمالات الانزلاق نحو المجهول.

لو كان كيسنجر حاضراً، لما سعى لإيقاف الحروب بشعارات أخلاقية، وإنما كان سيبدأ من موازين القوة، ومن خطوط الإمداد، ومن مخاوف كل طرف، ثم ينسج شبكة معقدة من التفاهمات الجزئية، ليفتح قنوات خلفية، ويختبر النوايا، ويشتري الوقت، ويبطئ الاندفاع نحو الهاوية؛ كان سيحول الاستنزاف إلى تفاوض، والفوضى إلى توازن مؤقت، ويحول الحروب من انفجار عشوائي إلى مسار مدروس، لا يترك فرصة للتصعيد خارج السيطرة.

حذر كيسنجر نفسه في سنواته الأخيرة من أن العالم يتجه نحو لحظة خطرة، حيث تتآكل قواعد النظام الدولي، وتتصاعد المواجهات بين القوى الكبرى من دون آليات كبح فعالة، وكان يرى أن غياب التفاهم بين الولايات المتحدة والصين وروسيا قد يقود إلى صدام لا يمكن احتواؤه بسهولة.

عند مغادرته العالم في 2023، كان يعرف أن زمنه ينتهي، وأن العالم يدخل مرحلة بلا حكماء يجلسون في الغرف نصف المظلمة، ليمنعوا امتداد الحرب.

في هذا الفراغ، يعود السؤال إلى كيف فقد العالم قدرته على إنتاج كيسنجر جديد، وكيف تحولت الدبلوماسية من فن إدارة الصراع إلى ملحق متأخر للحرب؟

هنا تتجلى الحاجة لاستعادة العقل الذي يعرف أن الحرب، مهما اشتعلت وتوسعت، يجب أن تجد من يضع لها كلمة النهاية.

هنا تكمن الحاجة إلى عقلانية الصبر، وإلى دبلوماسية الصمت، ثم إلى اليد التي توقف الانزلاق قبل أن تتحول القوة إلى فوضى لا نهائية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد