: آخر تحديث

الرَّذيلة وأزمة الليبرالية

2
2
2

يمكننا القول إنَّ تفشي الرَّذيلة في الحياة الأميركية - من ضباب الماريغوانا الذي يخيّم على المدن، وتطبيقات المقامرة في جيوب عدد لا يُحصى من الشبان، وانتشار المنصات الإباحية عبر الإنترنت - حدثَ تدريجياً وفجأة في آنٍ واحد. تدريجياً بمعنى أنَّه لم يكن هناك قرارٌ واحدٌ من المحكمة العليا أحدث كل الفرق. بمعنى أن تقاطع القوى القانونية والثقافية والتكنولوجية كان له تأثير مُعزز وصادم عبر السنوات العشر الأخيرة فقط.

هذا المزيج يجعل من تفشي الرذيلة نقطة انطلاق مفيدة للدخول في نقاش حول أزمة الليبرالية. إنه تجسيد حيّ لسبب جاذبية توجيه نقد إلى وضعنا هذا، حتى وإن كان هذا الوضع يسلّط الضوء على المشكلات التي تجابه «ما بعد الليبرالية».

من ناحيته، وفي إطار سلسلة حديثة مدافعاً فيها عن الليبرالية في مواجهة منتقديها، كرس مات إيغليسياس مقالاً عن النظام الليبرالي، بوصفه مظلة رقيقة تتيح للناس السعي وراء تصوراتهم الخاصة والأعمق للحياة الجيدة. وكتب أن حقيقة أن الحكومات الليبرالية «مُلزمة أن تتعامل مع المواطنين كما لو أنهم أفراد منعزلون» لا تعني «أنه ينبغي للناس، في الواقع، أن يكونوا كذلك»؛ فالنظام الليبرالي يسمح بوجود علاجات اجتماعية متنوعة لمشكلة الفردانية المفرطة، علاوة على مصادر أخلاقية خاصة متنوعة للأخلاق والمعنى. إلا أنه ببساطة لا يفرض نموذجاً واحداً يصلح للجميع؛ لأن ذلك سيمهد الطريق نحو الاستبداد.

وفي اعتقادي، تكشف مسألة تفشي الرذيلة اليوم بعض الجوانب التي تجعل هذا التصور ساذجاً؛ ففي أي مجتمع، تُعد السياسة ساحةً للنقاش حول ماهية الحياة الطيبة. وبالتأكيد فإن الطريقة التي تفرض بها الحكومة الضرائب، وتنفق بها الأموال، وتقر محظورات، وتنظم أموراً، لها تأثير قوي على سلوك المواطنين. وما يسمح به القانون أو يجرّمه له تأثير ملموس على ما يفعله الناس العاديون وما يعتقدونه. وعليه، إذا كانت القوانين والنظرية السياسية التي تستند إليها هذه القوانين، تتعامل مع الناس كأفراد منعزلين، فإن الناس سيتصرفون حتماً على هذا النحو، وسيُعرّفون أنفسهم على هذا الأساس، ويتألمون من تبعات هذا التفكك بشكل أشد.

وهذا بالضبط جزء مما حدث مع ظاهرة تفشي المقامرة والمخدرات والإباحية؛ فكلما تضاءلت النزعة الأخلاقية في قوانيننا وزادت بها النزعة التحررية، تفاقمت السلوكيات الإدمانية. وبذلك يتضح لنا أن الفهم غير الأخلاقي لليبرالية قادنا نحو مجتمع أشد انحلالاً من الناحية الأخلاقية.

وفي مقاله، يُقِرّ إيغليسياس بالمخاوف المتعلقة بالإدمان، ويقترح أننا قد نحتاج إلى فرض المزيد من القوانين وفرض ضرائب أكبر على السلع الضارة أخلاقياً. إلا أنه يُصر على أن التعصب تجاه الحياد الذي يفترض من الليبرالية التمسك به، ليس العائق الرئيس أمام هذا التنظيم؛ وإنما حقيقة أن «أياً من الحزبين الرئيسيين بالبلاد لا يعتقد أن مثل هذه القضايا تستحق أن تكون في صدارة الحياة العامة».

والسؤال هنا: لماذا؟ يرجع أحد الأسباب إلى أن كلا الحزبين تبنيا افتراضاً تجاه معنى الحرية الشخصية، اتسم بنزعة تحررية قوية. ربما لا يشعر الأميركيون بالتعصب إزاء «الحياد الليبرالي» باعتباره مفهوماً نظرياً محدداً، لكن من الواضح أن عدداً أكبر من الناس بات يعتقد ببساطة أن ما يدخنونه أو يشاهدونه أو يراهنون عليه ليس من شأن الحكومة. ويأتي هذا التحول بمثابة تجسيد عملي لمبدأ «معاملة المواطنين كأفراد منعزلين»، الذي يدافع عنه إيغليسياس.

والسؤال الآن: هل هذا التحول نتيجة حتمية داخل أي شكل ممكن من الليبرالية؟ ربما لا، فرغم أن أميركا كانت دوماً مجتمعاً ذا نزعة فردانية ليبرالية قوية، فإنها كانت تملك، حتى الأمس القريب، كل أنواع التنظيمات التي تقيّد الرذائل.

من هذا المنظور، قد يجري طرح ما يُسمى «ما بعد الليبرالية» في النقاشات باعتبارها محاولة لتصحيح المسار السائد لليبرالية حالياً، لا كبديل سياسي كامل. وللاطلاع على مثال لذلك، أنصح بقراءة مقال تشارلز فين ليمان في العدد الأخير من مجلة «ناشونال أفيرز» بعنوان «حجة تجريم الرذيلة»، وهو يدعو إلى استعادة مفاهيم سياسية تنطوي ضمناً على فكرة أن «ثمة أمراً ما في الرذيلة والإدمان تحديداً يُهدد قدرتنا على التصرف كبشر ومواطنين أكفاء».

ويمثل هذا الإطار نقلة نوعية عن التوجهات الليبرالية الحالية، بيد أنه يطرح نفسه كخطوة تصحيحية من تحت مظلة الليبرالية، أو كسبيل للعودة عن مسار خاطئ، وليس كثورة عليها.

من جهتي، أؤيد تماماً الخطوات التي يسعى ليمان إلى اتخاذها، لكنني أشك في الوقت ذاته في أن سلسلة الحجج التي يطرحها، والموجهة أساساً إلى النخب العلمانية، كافية لتغيير مسارنا؛ ذلك أن انتصار الرذيلة داخل الولايات المتحدة، في جوهره، لا يقتصر على فقر الفكر القانوني أو هيمنة النزعة الفردية في الثقافة السائدة، وإنما مثلما يشير آرون رين في مقال حديث له في صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإنه يتعلق كذلك بتراجع المسيحية البروتستانتية.

وقد تبدو الرؤية البديلة لليبرالية قاصرة هي الأخرى. وإذا كنت تعتقد أن النظام الليبرالي بحاجة إلى نوع من الرؤية الأخلاقية والدينية تمنعنا من الانزلاق إلى هوة الإدمان واليأس، لكنك لا تعتقد أن السياسة قادرة على فعل أكثر من مجرد تهيئة الظروف المسبقة لتلك الرؤية، فإنك بذلك ربما تتجاهل المشكلات الاجتماعية التي تنخر نظامك من الداخل؟

من ناحيتي، لو كنت أملك الإجابة، لما كتبت كل هذه المقالات المفتوحة حول هذا الموضوع، لكن من المهم توضيح المعضلة القائمة هنا: إن عدم وجود بديل موثوق لليبرالية حتى الآن لا يعني وجود علاج واضح داخل منظومة الليبرالية القائمة اليوم لعيوبها.

* خدمة «نيويورك تايمز»


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد