: آخر تحديث

عن التنافسية الرياضية وآثارها الدنيويّة

3
3
4

عبْر التاريخ شكّلت التنافسية في المسابقات بشكلها العام جزءاً من حالة الحيوية الدنيوية اليومية؛ كانت المصارعات ورهاناتها معروفةً منذ الإنسان الأوّل. ولم ينقطع الشغف الإنساني بالانتماء إلى فريق أو لفرس أو حصان قط حتى اليوم.

كل ذلك له موضوعاته المتشعّبة، وعبر التاريخ كانت المسابقات التي تُجرى بين فرقٍ من الخيول والجمال أو حتى مناقرات الديكة، لا تنقضي، فهي جزءٌ من تحقيق دوافع إنسانية أساسية.

البعض يتعجّب من انغماس كبارٍ ومؤثرين في حالة الحماسة التنافسيّة وبخاصةٍ الرياضية منها في عصرنا الحديث، بل يعدّ في ذلك الحماسة طيشاً مبالغاً فيه، وسفهاً وقلة عقل، على سبيل المثال حين قفز الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك بعد الهدف الثاني لزين الدين زيدان، وهو الحاسم على البرازيل في مونديال عام 1998، انتقده بعض معارضيه باعتبار هذه الطريقة الاحتفالية لا تليق برئيس جمهورية، والواقع أن هذا لبّ التصرف البشري مع الإنجاز الحقيقي، إنها غريزة حقيقة أن يحقق الإنسان الانتصار في موضع تنافسي قوي.

ولكلّ أمة وحضارة أفكارها ورهاناتها التنافسية عبر التاريخ، وفي عصرنا الحاليّ نعم ثمة رياضات عديدة بلغت أُسّ الاهتمام، دع عنك كرة السلة، أو الرياضات الأميركية، بتنوّعها وشيوعها وجماهيريتها، كلها لها قيمتُها وأثرها، وإنما الذي هيمن على العالم كلّه اجتماعياً رياضة كرة القدم، إنها سحرٌ تمكّن من الصغار والكبار، فهي أصل في المتعة والبهجة والترفيه الدنيوي اليومي، وما كان هذا الموضوع ترفاً وإنما له أصلُه البشري الغريزي، وذلك لأسباب عدة منها:

أولاً: أن قوّة التنافس في لعبة كرة القدم مكّنتْها من تحقيق جماهيريّة تتجاوز الحيّز الطبقي والنخبوي، بل استطاعت أن تؤسس لنمط من السجال اليومي بين جميع أفراد المجتمع وبطريقة أكثر حماسة من بقيّة الرياضات المقتصرة على المختصين.

إن ميزة كرة القدم أنها أدخلت معايير مختلفة في التقييم الأخلاقي والقانوني والعدلي، بمعنى أن غير الفاقِه بشؤون القانون بات يتعلّم عبرها سُبل التكييف والتسبيب لهذه الجملة الكروية أو تلك، لأن كرة القدم لعبة ذات بُعد إشكالي، وهذا أساسُ ديمومتها، لأنها لو كانت منتجةً لحقيقةٍ واحدةٍ لفسدت، ولذلك شغب بعض كبار عباقرة كرة القدم على إدخال تقنية «الفار» (VAR)، لأنها تخرّب مفهوم اللعبة، وتحوّل الحُكمَ على اللقطة من الإمكان والاحتمال إلى القطعيّة والحقيقة المطلقة، وهذا فيه تشويش وتفتيت لها، وهذا رأي أساسيّ بغية فهم منظومة اللعبة ولبّها.

ثانياً: أن كرة القدم ذات بُعد شعبي؛ إذ عبرها بُثّت الكثير من الأفكار المتطوّرة حول الأعراق والأديان والشعوب، حيث أذابت العنصرية إلى حدٍّ كبير، ومكّنت كلّ المبدعين من الانغماس بهذا الجوّ الحيّ، والإنجاز هذا ما كان ليتمّ لولا أن هذه المسابقات تلامس وجدان الإنسان اليومي. لم يكن التشجيع الرياضي إلا جزءاً من فردانية الإنسان ورغبته في الانتصار. مثلاً يرى الباحث باتريك ماكلوين، في بحث له حول سيكيولوجية التشجيع الرياضي، أن «الانتصارات تتفاعل مع أدمغتنا، فهي مثل الإنجازات الشخصيّة مما يرفع من مزاجنا، ويمكن أن يشعر المهزوم بالألم على غرار خيبات الأمل الواقعية».

ثالثاً: أن التشجيع يشرح أفكار العالم وأطواره وحالاته، فهذه الفِرق بجماهيرها المليونية في العالم تشرح للدارس مساراتٍ أساسيّة. فالفِرق لها تاريخها الجغرافي والسياسي على النحو الذي نراه في الأدوار الأوروبية، وبخاصة منها الإنجليزية والإسبانية، فهي شارحةٌ ودالّة على نُظم السوسيولوجيا الاجتماعية وأنماط التحوّل المجتمعي. فالأندية تعبّر أحياناً عن طبقيّتها، في حالةِ الفوز تأتي النبرةُ الأعلى على ذلك الفريق، وحين الهزيمة تأتي حالة المظلوميّة عند الفريق الآخر، وهذا له نمط ثقافي وبعد تاريخي يستحق التدقيق.

رابعاً: في العدد السادس من مجلة «دراسات تاريخية» كتب الدكتور عبد النور العمري بحثاً بعنوان «التاريخ الرياضي ودوره السلمي عبر العصور»، يقول: «قدمت المنافسة الرياضية، ولا تزال، علاقات طيبة وتصالحية بين أفراد المجتمعات البشرية المختلفة في الأعراق واللغات، فالمنافسة الرياضية واللعب ظلّت حقاً من حقوق الأفراد التي وجب احترامها. الرياضة أداة تنافسيّة منخفضة التكاليف إذا قارنّاها بالتكاليف الباهظة للتنافس المسلح، وهي عالية التأثير في الجهود الإنسانية والتنمية».

وهذا القول صحيح، لأن في التنافسيّة الرياضية نوعاً من الاستبدال للعداوة الإنسانية القديمة التي خلقت الحروب والكوارث، ويمكن للدعم أو التضامن أو «التشجيع» أن يخفف من غلواء العنف، وأن يفرّغ النزعات الإنسانية العدوانية.

الخلاصة؛ أن مفهوم التنافسيّة في الرياضات أو «التشجيع» يُعدّ جزءاً من الحيويّة الدنيوية، به تتكشّف ظواهر اجتماعية وثقافية مذهلة. لقد استبدل الإنسان بصراعاته عبر التاريخ هذه الانتماءات المدنيّة الترفيهية التي تحقق له العديد من الصيغ التي تؤمّن له الابتعاد عن العدوانية القديمة. إن التفريغ النفسي الذي يمنحه الانتصار لمشجّعه يجعله أكثر إحساساً بالانتماء إلى ذاته ودنياه ولآصرته، يمنح التشجيع المجتمع مساحات لفهم التعددية التي تحتاج إليها المجتمعات في ظلّ هذا التغوّل الانعزالي في العالم... نعم إن التشجيع جزء من فكرة الوجود الإنساني الدنيوي والترفيه اليومي، وهذا ما لم يستوعبه بعض المثقفين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد