: آخر تحديث

ما وراء الوساطة التركية بين أميركا وإيران!

1
1
3

يشكّل تصاعد التوتر الأميركي – الإيراني أحد أخطر مفاصل التحوّل في الشرق الأوسط، ليس بسبب احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة فحسب، بل لما يكشفه من هشاشة عميقة في البنية الإقليمية المحيطة بإيران. فالأزمة، في نظر دول الجوار، لم تعد صراعاً ثنائياً يمكن احتواؤه أو عزله، بل باتت تهديداً مفتوحاً يطول الاستقرار الداخلي، ووحدة الدول، والتوازنات الإثنية والجغرافية في الإقليم بأسره. وفي هذا السياق، يبرز الدور التركي بوصفه الأكثر اندفاعاً نحو طرح وساطة بين واشنطن وطهران، مدفوعاً باعتبارات أمن قومي تتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية.

تنطلق المقاربة التركية من إدراك واقعي بأن إيران ليست دولة عادية يمكن استيعاب تداعيات إضعافها أو انهيارها. فالجغرافيا الإيرانية، بحجمها واتساعها، ونسيجها السكاني المتعدد، تجعل أي اهتزاز في مركز السلطة مرشحاً للتحول فوضى واسعة النطاق. وتدرك أنقرة أن سيناريو المواجهة العسكرية، أو الاستنزاف الطويل للدولة الإيرانية، لن يفضي إلى انتقال سياسي منضبط، بل سيطلق ديناميات تفكك يصعب التحكم بمساراتها أو حدودها.

العامل الإثني يحتل موقعاً محورياً في هذا القلق. فإيران تضم أقليات قومية واسعة، تنتشر في مناطق حدودية مترابطة مع دول الجوار، وفي مقدمتها الأقلية الكردية. ويشكّل الأكراد حالة خاصة في الحسابات التركية، ليس فقط بسبب عددهم، بل بسبب امتدادهم الجغرافي المتصل عبر إيران والعراق وسوريا وتركيا. هذا الامتداد يجعل أي تحوّل في ميزان القوى داخل إحدى هذه الدول قابلاً للانتقال سريعاً إلى الدول الأخرى، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو الواقع الأمني.

من وجهة النظر التركية، يُعدّ الملف الكردي أخطر تداعيات أي تفكك محتمل في إيران. فضعف السلطة المركزية في طهران قد يفتح المجال أمام مطالب كردية بالحكم الذاتي أو أشكال متقدمة من الإدارة الذاتية، وهو ما قد يتحول مصدر إلهام سياسي ورمزي للأكراد في دول الجوار. وتخشى أنقرة أن يؤدي ذلك إلى إعادة تفعيل سرديات عابرة للحدود، تقوم على وحدة الجغرافيا الكردية وتكاملها، حتى لو لم تُترجم فوراً إلى مشروع سياسي موحد.

ولا ينفصل هذا القلق عن الذاكرة التاريخية التركية. فقد شكّلت الأراضي الإيرانية، خلال القرن العشرين، مسرحاً لمحاولات فعلية لإنشاء كيانات كردية مستقلة أو شبه مستقلة، أبرزها الجمهوريات الكردية القصيرة العمر التي نشأت في شمال غربي إيران. ورغم أن هذه التجارب أُجهضت سريعاً، فإنها بقيت راسخة في العقل الأمني التركي نموذجاً قابلاً للتكرار في ظروف الفوضى. وتخشى أنقرة أن يؤدي أي انهيار إيراني إلى إعادة إحياء هذه السوابق، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على وحدة أراضيها.

ويزداد القلق التركي حدةً عندما تُقرأ المسألة الكردية في إطار إقليمي أوسع، حيث لم تعد الهويات الإثنية محصورة ضمن حدود الدول، بل باتت تتغذّى من تجارب متراكمة في دول عدة. فالتجارب الكردية في العراق وسوريا، على اختلاف ظروف نشأتها، رسّخت قناعة لدى قطاعات من النخب الكردية بأن لحظات الفوضى الإقليمية قد تفتح نوافذ تاريخية نادرة لإعادة طرح مشاريع كيانية. ومن هنا، ترى أنقرة أن أي اضطراب إيراني قد يتحول عامل تعبئة سياسية ورمزية، حتى لو بقي بعيداً عن إعلان الانفصال المباشر.

إلى جانب البعد الإثني، يبرز ملف اللاجئين كأحد أبرز دوافع التحرك التركي. فتركيا، التي تتحمّل منذ سنوات أعباءً اجتماعية واقتصادية كبيرة نتيجة تدفقات بشرية واسعة، تعتبر أن أي مواجهة عسكرية أو انهيار أمني في إيران قد يؤدي إلى موجات نزوح ضخمة. ولا تقتصر هذه المخاوف على المدنيين الإيرانيين، بل تشمل أيضاً أقليات إثنية قد تجد نفسها عالقة بين صراعات محلية، فتتجه نحو الحدود التركية باعتبارها الخيار الأقرب والأكثر أماناً.

وتزداد هذه الهواجس تعقيداً بسبب التداخل المحتمل بين الهجرة والفوضى الأمنية. إذ تخشى أنقرة من تسلل عناصر مسلحة أو شبكات غير نظامية مستفيدة من غياب السيطرة المركزية؛ ما يفرض أعباءً أمنية إضافية ويهدد بتحويل المناطق الحدودية ساحات استنزاف طويل الأمد. ومن وجهة نظرها، فإن إدارة هذا النوع من التحديات يتجاوز قدرات الاحتواء التقليدية، ويهدد بتآكل الاستقرار الداخلي.

جغرافياً، تنظر تركيا إلى إيران بوصفها حاجزاً استراتيجياً يفصلها عن موجات عدم الاستقرار القادمة من عمق آسيا. أي انهيار في هذا الحاجز قد يفتح المجال أمام تدخلات دولية متشابكة، وصراعات بالوكالة، وتحويل المنطقة مسرح تنافس مفتوحاً يصعب ضبط إيقاعه أو نهاياته. وفي مثل هذا السيناريو، تفقد أنقرة قدرتها على المناورة، وتُدفَع إلى موقع الدفاع الدائم.

في هذا الإطار، ورغم انتقال مكان التفاوض إلى عُمان، تطرح تركيا نفسها وسيطاً بين الولايات المتحدة وإيران، ليس دفاعاً عن سياسات طهران، بل سعياً لخفض منسوب التصعيد ومنع الانزلاق إلى فوضى إثنية وجغرافية واسعة. وهي تراهن على علاقاتها المفتوحة نسبياً مع الطرفين، وعلى موقعها الجغرافي، لتقديم نفسها كقناة قادرة على تجميد الصراع أو إدارته ضمن حدود يمكن احتواؤها.

في الخلاصة، يعكس السلوك التركي في ملف التوتر الأميركي – الإيراني إدراكاً عميقاً بأن الصراع لم يعد محصوراً بين دولتين، بل بات مرتبطاً بمستقبل الأقليات، ووحدة الدول، واستقرار الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط. وبين إيران منهكة وإيران منهارة، ترى أنقرة أن الخيار الثاني هو الأخطر، وتسعى إلى منعه قبل أن يتحول واقعاً يعيد رسم خريطة المنطقة على أسس إثنية لا يمكن التعايش معها.

وفي هذا المشهد بالغ الهشاشة، تبدو مصلحة إيران نفسها مرتبطة بالعودة إلى احترام القوانين الدولية، لا استجابةً للضغوط الخارجية، بل رحمةً بشعبها أولاً. فالتزام القانون الدولي يوفّر مظلة حماية للدولة والمجتمع معاً، ويجنّب البلاد سيناريوهات العزلة والفوضى التي يدفع ثمنها المواطن قبل النظام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد