عندمَا وصلَ حزبُ العمال البريطاني إلى السُّلطة بأغلبيةٍ ساحقة، أعلنت حكومتُه أنَّ سياستها واقعيةٌ وتتعامل مع العالم كما هو؛ وليس كما تتمنَّاه، وكلمة «تتمنَّاه» نابعةٌ من قناعة المسؤولين البريطانيين بأنَّ التَّمنّي يتطلَّب معجزةً في عالم متغير وسريع، ومنْ لا يواكبه تتضرَّر مصالُحه، ويهتزُّ أمنُه. في هذه المواكبة، تندرج زيارةُ رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر لجمهورية الصين الشعبية، وهدفها إيجاد موقع في عالم انشطر بين روما القديمة (أميركا) وروما الجديدة (الصين)؛ قديماً كانَ يُقال إنَّ «كلَّ الطرق تؤدي إلى روما»، لكنَّ الوصولَ اليوم له طريقان، وكلاهما محفوفٌ بمخاطر؛ فالرئيس الأميركي دونالد ترمب، هدَّد رئيسَ وزراء كندا مارك كارني، الزائر لروما الجديدة، بأنَّه سيفرض عليه رسوماً جمركية بنسبة مائة في المائة، ووصفه بالخاسر وأنَّه لن ينال من الصين شيئاً؛ وقبله زار روما الجديدة الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون، فاستخفَّ به ترمب قائلاً: «ستخرج قريباً من السلطة»، وهدَّده بفرض رسوم جمركية على صادرات فرنسا من المشروبات الروحية. وبالمقابل، تعاقب روما الجديدة من لا يسير في نهجِها، ففرض الرئيسُ الصينيُّ شي جينبينغ رسوماً جمركية على أستراليا؛ لدعوتِها لتحقيقٍ دولي حول مصدر وباء كورونا، معتبراً الدعوة استجابةً للرئيس ترمب الذي اتَّهم الصين بالتسبب في الوباء، وكرَّر شي السلوك نفسَه مع كوريا الجنوبية واليابان. ووفق هذا المسار المتبادل، لا عجبَ أن يهدّد ترمب ستارمر ويسخرَ من واقعيته، ويحذرَه من معانقة روما الجديدة.
إذاً لا واقعية ستارمر ولا كارني صالحة في عالمي روما، وما يميز الواقعيتين أنَّ الأولى ناعمة ومتوجسة، بينما الثانية خشنة ومغامرة؛ كارني دعا لطريق ثالث يشبه تكتل دولِ عدم الانحياز أيام الحرب الباردة، بينما ستارمر يحاول إبقاء رجل في روما القديمة وأخرى في روما الجديدة. لكن المحاولتين كلتيهما ستقعان بين فكي كماشتي الصين وأميركا؛ ترمب عاقب كندا بفرض ضرائب عالية، وهدَّد بريطانيا بعقوبات، بينما رمى منافسُه الرئيس الصيني شي كسرةَ خبز لكارني، ومدح ستارمر بهدفِ إغاظة ترمب بأنَّ حكومة كليمنت العمالية كانت السباقة بالاعتراف بالصّين الشعبية عام 1950، وأنَّ بريطانيا العمالية دعمت دخول بلادِه لمنظمة التجارة العالمية عام 2001، وكانا سببين في نمو الصين اقتصادياً؛ وهذا يؤشر إلى أنَّ الخيارات والمناورات ضيقة جداً، والقاعدة: إمَّا معي أو ضدي.
في عالم روما القديمة والجديدة لا دور للآيديولوجية، والاقتصاد السائد رأسمالي حتى العظم، وكلتا الروميتين لا تقيم وزناً للقانون الدولي وتدرك أن انتصار إحداهما هزيمة للأخرى، وبهذه المعادلة الصفرية لا يمكن لواقعية ستارمر أن تسعفَه، وعليه الاختيار بين خيارات صعبة، لأنَّ أياً منها ستكون له تبعات: داخلياً وخارجياً. داخلياً، لا يوجد إجماع في بريطانيا حول الصين، فاليمين الصاعد، ولدرجة ما المحافظ، يعدّها خطراً على الأمن البريطاني، ودولة عدائية، بينما اليسار المتشدد، ولدرجة ما المعتدل، يرى من باب المصلحة إمكانية التقارب معها. لكن الجميع متفق في العمق على أنها مغايرة ثقافياً، ولا يمكن إدخالها في اقتصاد البلاد وبالذات البنية التحتية، لما تجره من مخاطر على الأمن القومي البريطاني. الفارق بين اليسار واليمين؛ أنَّ الأول، ومن منطلق آيديولوجي، أقل عدائية، ويستشرف إمكانية التعاون في مجالات من دون أخرى. هذا التباين مهم لأنَّ الصين ستدرك أنَّ أي تقاربات مع حكومة يسارية ستطيحها حكومة يمينية مقبلة، وتعود العلاقات إلى نقطة الصفر؛ هذا سيؤدي منطقياً إلى سياسة صينية نفعية، ومحسوبة بدقة، وفق قاعدة «أكسب، وغيري يخسر». وبالفعل، فإنَّ ستارمر عاد من الزيارة وليس معه رصيد اقتصادي جيد؛ بل مجرد وعود تنتظر منه حسم خياراته في صراع الصين وأميركا.
أمَّا خيار كارني الكندي فليس خياراً صالحاً؛ لأنَّ تجربة شبيهة في الحرب الباردة (دول عدم الانحياز) ليست مشجعة على الإطلاق؛ فالتحالفات طويلة الأمد لا تقوم على المصالح فقط، بل على عناصر أخرى مهمة؛ مثل الثقافة والتاريخ والجغرافيا والدين، وعليه؛ فإنَّ أوروبا مهما اختلفت الآن مع ترمب، فستبقى مربوطة بأوثقة كثيرة تجبرها على البقاء في المدار الحضاري الأميركي. ما يواجهه ستارمر، وقادة أوروبا، رغم صعوبته، أهون بكثير مما تواجهه دول أخرى تفتقد الروابط الثقافية والتاريخية والجغرافية مع أميركا والصين؛ فبريطانيا يمكنها أن تعود للاتحاد الأوروبي وتحفظ مصالحها، وتتحاور من منطلق الندية والأخوة مع أميركا، بينما الدول الأخرى ليس أمامها إلا خيار واحد؛ تعزيز وحدتها مع جيرانها المشابهين لها ثقافياً وتاريخياً، وتعميق علاقاتها التجارية، وبناء تحالفات لحفظ أمنها على قاعدة «الجميع يكسب».
في عالم روما القديمة وروما الجديدة تبقى الخيارات مفتوحة للجميع: سلوك طريق الصين «بعجرها وبجرها»، أو متابعة السير على طريق أميركا بكل مراراته، أو تقليد نموذج أوروبا الوحدوي وبسرعة وقبل فوات الأوان.

