لو كنا متفقين مع ما حولنا، مع ماضينا وتقاليدنا وحتمياتنا، لكانت كل قصيدة نكتبها تبدو لنا ولغيرنا عرساً يزفنا إلى العالم ويوثق ارتباطنا بالأشياء، ولكنا عرفنا الاستقرار، وذلك الرفاه الداخلي الذي تمنحه المسالمة.
ويزدهر في الغبطة السطحية وفي سكون العبودية.
لكننا متمردون، وكل قصيدة نكتبها تبدو لنا طلاقاً ونفياً. تنقلب علينا. ننكرها. وكل يوم يمر هو ابتعاد جديد. حتى لنتساءل أين، بعد أيام، سنسقط أو نتلاشى.
وإذا كان لنا من وعينا لمشكلاتنا (مشكلاتنا مع اللغة، مع الانتماء الثقافي، مع الإبداع، مع قلق الحاضر أمام الماضي وأمام المستقبل، مع الخارج...)
ما يعقدنا ويعرقلنا ويعوقنا، فإن لنا منه، لناحية أخرى، ما يصون نضتنا من التلف والجمود، من الجهل والفوضى. ولعلنا بنسبة ما ازددنا وعياً. خفت حماستنا. لعل «الحركة» انتقلت، بعد شحنتها الأولى إلى دور التعميق وباتت أكثر نضجاً ومسؤولية.
رائحة حزن تفوح من هذا الكلام، فنحن نسكن في أحشاء الفاجع، نؤمن أو نشك، لكننا دائماً نعود إلى الشعر، لا نغادره لحظة، لا نفقد الإيمان بالسير إلى إبداع شعر يصوغ تجربتنا من خلال الشخصي والفريد. فنحن في الأخير، هم كل واحد بمفرده. نحن هذا الشاعر، وذاك، وذلك، ولسنا حركة. بمعنى أننا لسنا حزباً، وما «ندعوه» شعراء مجلة شعر وكتابها «فمن باب التبسيط، ولا معنى شعرياً جدياً له، على أن «النهضة» نحن حاملو لوائها.
وهي نهضة تقوم على مفاهيم للشعر متغيرة في تاريخنا الأدبي، وتجعل هذه المرحلة مرحلة فاصلة وحاسمة.
لا نشك أننا، شأن كل إنسان، نضعف وسنضعف دائماً أمام الخادع والمغري والصعب.. وربما نكون الآن أشد حيرة وأشد وعياً وخوفاً من أي وقت مضى.
نتغير لأننا نتقدم، ونتقدم لأننا محكومون، إلى جانب الأسئلة المميتة، بالاشتهاء الحي للخلق، فنتعثر أكثر مما نخطر بأمان، ونتخبط أكثر مما ننسجم، لأن أصالتنا هي أصالة التارك كل شيء متجهاً إلى المغلق، والمرموز بالرمل، والضائع في الهواء.
1963*
* شاعر وصحفي لبناني (1937 – 2014)