: آخر تحديث

في الحضانة أسرار الحضارة

13
12
13

هل لك ألاّ تستعيد العنوان الشهير: «من هنا نبدأ»؟ قفزة عملاقة طالما طمحنا إلى تحقيقها، لكن الصين ضاعفت الوثبة أضعافاً، فأعادتنا إلى اليونان القديمة، يوم قال الفيلسوف أناكزاغوراس: «إن الإنسان يفكّر، لأنّ له يدين». اليد لها اليد الطولى، من الحجارة والعصا والسيف، إلى البندقية إلى زرّ القنبلة النووية، من الكتابة المسمارية والهيروغليفية إلى لوحة مفاتيح الحاسوب، من التصفيق والطبول من جذوع الشجر الخاوية، إلى العود والبيانو. نحتاج إلى خمسة مجلدات، بل عشرة، لكي نفي اليد بعض حقها في إبداع بدائع الحضارات. لكن، إذا أردنا إنصافها، فعلينا باستعارة بيت من الشعر الفارسي: «كتاب فضلك لا يكفيه ماء البحر.. لكي أبلّ أنملتي وأعدّ الصفحات».

ماذا لو تناغم النهجان؟ دعا القلم مراراً إلى حلّ مشكلات مناهج اللغة العربية، بمخاطبة صغار الحضانة والتمهيدية بالفصحى، قبل الابتدائية، فيذهبون إلى المدرسة وهم طلقاء الألسنة. الصين لم تفتح نافذةً، جعلت الأفق التربوي التعليمي 360 درجة. صارت الحضانة أكبر من حضانة، أشبه بالمعسكر، لا بالكشافة. أناكزاغوراس حاضر في كل شبر في الحضانة الصينيّة، التي جعلت اليد تتألق في كل مجالات الحياة اليوميّة.

ما الذي تنتظره من طفل يدخل الصف الأول الابتدائي، وهو سبعون صناعة، والحظوظ غير مُضاعفة؟ في الحضانة التي مهاراتها يدوية، كل شيء عمليّ تطبيقي، لا تنظير ولا نصائح ولا تهويمات في الهواء. في سبيل تنمية القدرات البدنية العضلية: تسلق الحبال، اجتياز الموانع، الألعاب الأكروباتية بالدرّاجات الهوائية وغيرها، وكرة السلّة.

وماذا عن المأكل؟ فنون الطبخ كلها بين أيديهم الغضّة: إعداد الخبز، الخضراوات، المعجّنات، الحلويات، واستخدام الأفران التي تعمل بالحطب. أمّا الملبس فمن الخياطة والحياكة إلى التطريز وتزيين الوسائد. للتدبير المنزلي أيضاً مَهمّات كغسل الملابس وتنظيف البيت وإعداد الفراش. لم ينسوا أعمال البناء والزراعة والعناية بالنباتات. كل ذلك بين سنّ الثالثة والسادسة!

هل لدى الدماغ التربوي العربي لحظة تأمل في أمور، قد لا تبدو له مستعجلة، مثلاً: هل يمكن لمن يتربّى على هذه المروحة الصينية من الخبرات العملية، أن يرضى بالتسكع في الشوارع، أو قتل الوقت بلعبة الورق؟ سيكون له في باقي عمره ما تعوّد: التفكير، لأن له يدين. من الابتدائية فصاعداً ستضاف إلى مواهب اليد خوارق الرياضيات والفيزياء، وآلاف الميادين في الهندسة، التي ستريه أن الكوكب ساحات للإبداع والتنافس.

لزوم ما يلزم: النتيجة التربوية: التقليد سيّئ، لكن في هذا يغدو التقليد إبداعاً.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد