: آخر تحديث

عالم مجنون فعلاً

4
4
4
مواضيع ذات صلة

في الخامس من ديسمبر الجاري نقلت قناة الإخبارية السعودية في أحد برامجها، كلاماً لاستشاري في الطب النفسي عن فقد طفل لقدرته على النطق، وذلك بسبب مقلب ثقيل قام به أخوه الأكبر سناً، وأنه مازال يخضع للعلاج بالأدوية، لإعادته إلى ما كان عليه قبل الحادثة، وهذا يعيدنا إلى هوس تخويف الصغار على منصات السوشال ميديا، لتحقيق المشاهدات العالية والتربح المالي، وتحديداً في منصة تيك توك عام 2022، ومن أمثلتها، المقاطع المصورة لأم تغلق الغرفة على ابنها وتتركه خائفاً ومرتبكاً، ولأسر تحبس أطفالها في غرف مظلمة، وتعمل على تخويفهم بأصـــوات وحوش وأشباح، ودون الاهتمام بصحتهم النفسية، وفي المملكة تمـــارس الأسر السعـــودية ترويعها الخاص على أطفالها، باستخدام الرمزية الشعبية لحمارة القايلة حتى لا يخرجوا ظهراً، أو لعوافي الله لإجبارهم على النوم في المساء، وكلاهما ينتجان شخصية مستأنسة وسهلة الانقياد، وقابلة للانحراف أو التطرف.

هذا النوع من الأسر لديها بالتأكيد مشكلات نفسية وعقد، فمن غير المعقول أن يتعــــامل عاقل مع الأطفال، وكأنهم لعب أو أدوات تسلية وترفيه، أو كدجاج يبيض ذهباً، وفكرة تخويف الأطفال وتحولها إلى مرض نفسي، وأن الأخير سلوك متعلم ولا علاقة له بالأمور الوراثية، تدعمها تجربة (الرضيع ألبرت) في عام 1920، وإصابته بفوبيا في المختبر من الفئران والقرود، ومعهما قناع سانتا كلوز الذي كان يرتديه الدكتور جون واطسون، المسؤول عن إجراء التجارب عليه، وربطه لحضور الحيوانات بأصوات قرع الأجراس المزعجة، ونتيجة لكل ما سبق توفي الطفل وعمره لم يتجاوز الستة أعوام، وحتى ترهيب الطفل بالعسكري وإبرة الطبيب، ربما ولدت لديه اضطراباً مستمراً، ولعل الحرمان أو التجاهل المدروس أنسب من توظيف الحلول الحدية والصعبة، ويحققان النتيجة نفسها تقريباً.

في زامبيا تقوم بعض القبائل بارتداء الأقنعة المخيفة لإرعاب الأطفال في الغابة، ويدخل ما سبق ضمن طقوس البلوغ، التي تساعدهم على التعلم والنضج ومواجهة المخاوف وليس العكس، وفي معهد ماساتشوستس للتكنولوجبا في أميركا، والذي يقبل قرابة 1400 طالب من أصل 21 ألفاً، لجأ المعهد لمعالجة المنافسة الحادة والأجواء الضاغطة بين الطلبة، إلى تقليد بدأ منذ عشرينات القرن العشرين ومازال حاضراً، وفيه يقوم الطلبة بالتنافس على عمل مقلب في دكاترة المعهد، وبما يسهم في تعزيز الإيجابية لديهم ويحيد احتمالات الاكتئاب وحالات الانتحار، ويكون المقلب في مكان بارز، والمعهد يحتفل بهذه المقالب لدرجة أنه أفرد متحفاً خاصاً بها، يحتفظ فيه بأدوات كل مقلب والعام الذي تم فيه، والنموذجان يؤكدان رؤية سيغموند فرويد، في أن النكت والمقالب تعبر، أحياناً، عن طريقة المجتمع في تفريغ ضغوط عدوانية مخبأة في اللاوعي، بأسلوب آمن وبدون صدام أو إرباكات.
أقدم تناول فلسفي لوظائف الضحك يعرف باسم (نظرية التفوق)، للفيلسوف اليوناني أفلاطون، والتي تعتقد بأن صاحب النكتة يتباهى بالتنكيت على من يتفوق عليه، وبالأخص على إعاقته أو جهله أو مرضه أو محدودية تفكيره، وهذا النوع من النكت لا يقبل إلا إذا كان موجهاً ضد أعداء المجتمع من خارجه، ومن الشواهد، سخرية تشارلي شابلن من هتلر خلال الحرب العالمية الثانية، في فيلم الدكتاتور العظيم، وتحويله من شخص مرعب إلى مهرج، وبالتالي فإن الكوميديا تؤسس لواقع جديد أو موازٍ، يفيد في توازن المجتمعات من داخلها و لو بشكل مؤقت.

إلا أن النتائج ليست مبهجة دائماً، بدليل أنه في 2016، قدمت بلاغات عن مشاهدات في ولاية ويسكونسن الأميركية، لمهرج مخيف يمسك ببالونات سوداء ويراقب الناس، والمهرج لم يكن إلا عبارة عن دعاية لفيلم محلي اسمه (غاغز)، وبطريقة مبتكرة وإبداعية، والإشكالية في أحداث المقلب لفوضى هستيرية شملت معظم الولايات الأميركيــــة، فقد تم تقديم بلاغات عن مهرجين يستدرجون الأطفال، أو يقومون بخطفهم، أو يهددون ركاب المترو بالسكاكين، والمسألة تجاوزت المحيط الأطلنطي إلى الضفة الأخرى، وانتقلت إلى بريطانيا وأستراليا، وتسببت في أعمال عنف بالسويد، وفي جريمة قتل لمراهق تهمته أنه كان مرتدياً للقناع، وعرفت هذه الموجة على مستوى أوروبا وأميركا، بجنون المهرج المرعب، ووصل الأمر لحد قيام شركة ماكدونالدز رسمياً، بحجب مهرجها الأيقونة رونالد ماكدونالدز إلى غير رجعة.

شبكات السوشال ميديا، حوّلت التنكيت والمقالب، من سلوك فردي بين شخصين، إلى هوس ثقافي واجتمــــاعي على مستوى العــــالم، وجعلته بمثابة عـــرض يطلبه الجمهور، وتدعمه المنصات على اختلافها، وحتى تلفزيون الواقع زاد في ممارسة الإذلال الممنهج على المشاركين فيه، وفي صيغة مطورة من المقالب، يشعر فيها الشخص محل الإذلال بالاستمتاع، لأن الزيادة في إذلاله ستفتح له بوابة الشهرة أكثر من الآخرين، والمشاهد سيتمسك به لأنه يشبع إحساسه بالتفوق عليه، وترتفع حدة الاستمتاع إذا كان الضحايا من المشاهير وأصحاب الملايين، في تجسيد لسادية اجتماعية مستفحلة، ولعالم مجنون فعلاً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد