حتى بداية التسعينيات كان بحر قلالي ملء عين قاطنيها ورائحته تملأ رئاتهم. كان هذا البحر منبسطًا على مدى البصر، وكان يضوع منه خليط من روائح اللؤلؤ والأسماك وأجساد الصيادين يمنح بفيض كرمه أجواء القرية عبقًا فريدًا لا يُتحصل عليه إلا في المناطق المستسلمة لقدرها على حواف السواحل والشواطئ. وكان سيف القرية في أوج جماله ممتدًا، في شكل قوس، من بستان المناعي غربًا إلى نخل «ابن أمين» الذي أصبح كغيره من البساتين الكثيرة في قرى ومناطق البحرين أثرًا بعد عين، وهو الحد الجنوبي الشرقي الذي يفصل القرية عن مدينة الحد. ففضلاً عن أن البحر كان، في حالة جزره ومدّه، يتيح للأهالي فرصة الاسترزاق من جوفه، فقد كان يسبغ، في حالتيه جمالاً على السيف ذي الرمال البيضاء الناعمة. البحر والسيف كانا آية جمال للقرية قبل أن يتيحا ليد التطوير والإعمار أن تغير من ملامح القرية فتعريها من أعز ما حباها به الخالق عز وجل، وتحرمها من نعيم شاطئ جميل قل أن تجد له نظيرًا.
قديمًا كان الناس، من خارج قلالي، يقصدون قريتنا للتمتّع بما حباها الله من بحرٍ جميل في مدِّه وجزره، وسيف مؤثث ربانيًا برمال ناعمة كنا وقت الجلوس عليها في ليالي الصيف لتزجية الأوقات نحسبها ريشًا نعامًا لفرط نعومة ملمسها، ونخيل تحيط بها من ثلاث جهات أما الجهة الرابعة الشمالية فمفتوحة على البحر الذي وظفه الأهالي مورد عيش.
مَن كان مِن جيل الخمسينيات، وحتى التسعينيات، يتصوّر أن قلالي اليوم من غير سيف وأن بحرها قد فرّ مبتعدًا قرابة كيلومترين تاركًا مساحته ليرسم عليها الإنسان خرائطه ومخططاته مغيِّرا من هيئتها عن بكرة أبيها؟ هذه حقيقة باتت شاخصة لهذه القرية التي كانت ترفل في كل الصباحات بزينتها الطبيعية؛ حيث تتجدد أمواج البحر في مدها السرمدي لترتطم بجدران بيوتها وتترك الملح عالقًا بها عندما يحين وقت جزرها، وهذه الحقيقة هي ضريبة التطور والتحسين الذي تشهده مناطق البحرين كافة وليس منطقة قلالي فحسب. وها هنا يقفز سؤال مفاده: هل أهالي منطقة قلالي راضون عن هذا التطوير، والتغيير الذي طال الجغرافيا؟ سؤال لا بأس من طرحه، ومن مناقشته رغم أن الإجابة المختصرة عنه هي بالإيجاب: نعم إنهم راضون، ولكن هذه «النعم» يلحق بها استدراك بـ«لكن».. لكن ماذا؟!
عليَّ القول بداية إن الهدف من مناقشة هذا السؤال ليس تغيير ما استقرت عليه الجغرافيا، وإنما العمل على تطويره بحيث تبقى مصالح أهالي القرية محفوظة لا تتأثر بالتغيير الذي ليس منه بد إذا ما نحن نشدنا التطوير الذي يُعد واحدًا من أبرز عناوين إنجازات عهد صاحب الجلالة المعظم الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه. فالتنمية العمرانية الذكية هي التي تستثمر خصائص الجمال في المنطقة وتحافظ عليها لتكون جاذبة للناس وللاستثمارات السياحية التي يحتاج إليها البلد.
لا شكّ أن للتطوير والتغيير ضريبة ينبغي دفعها، وإذا ما الإنسان سعى للتغيير في حياته، وأراد أن يلحق بنواصي القفزات الحضارية التي تطال مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، فإن عليه أن يرضى بدفع هذه الضريبة، وإن كانت بتغيير ملامح أمكنة يعز عليه أن يراها تتبدل. إلا أن هذا التغيير لا ينبغي أن يمس جوهر المنطقة وروحها، كي تبني حداثتها من عراقتها وأصالتها.
من ينكر عطاءات الدولة البحرينية لمواطنيها ومناطقهم، فهو كافر بالنعمة. ولكن لا ينبغي أن ندع أيّ ثغرة يعلن منها المواطن تذمره بالبرامج الحيوية التي تنهض بالمجتمع. أهالي قلالي أهل بحر، وحتى وإن هجر الكثير منهم البحر مهنة رئيسية إلى مجالات عمل أخرى، فإن البحر ما يزال امتدادهم الحيوي ومطيتهم التي يمارسون بها هواياتهم أو عملًا إضافيًا له الفضل في تغذية السوق البحرينية بكميات لا بأس بها من الأسماك.
لقد لفت إلى أهمية هذا الأمر غيرنا، وأجروا لهذا الهدف تحقيقات مصوّرة في صحافتنا المحلية، وها نحن نقتفي الأثر ونكتب تحقيقًا للمصلحة العامة. فقلالي وأهلها يستحقّون من الحكومة مزيدًا من الاهتمام والرعاية؛ كي تكون بدورها وجهًا من وجوه البحرين الحديثة التي تبني نهضتها المعمارية والاقتصادية دون التغافل عن روح الأصالة التي تتجاوز في حضورها أشكال المعمار لتكون جزءًا لا يتجزأ من عقول الناس ومهجهم، ومحركًا رئيسيًا لجهد جماعي يرفد عمل الحكومة، ويحمل الجميع مسؤولية المحافظة على قلالي جميلة متألقة جاذبة لكل عشاق جمال الطبيعة وذكاء تعامل الإنسان البحريني معها.

